أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
الجمعة ... 12 – 3 – 2021 ... من أداب اتباع الجنائز
الجمعة ... 5 – 3 – 2021.. كيف ندعو للمريض وبما؟؟
الجمعة ... 26 – 2 – 2021 ... ما هى أداب عيادة المريض؟؟
الجمعة ... 19 – 2 – 2021 ... هل رد السلام واجب؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
ما هي العلاقة بين العزم والتوكل ؟؟ -
ما هي العلاقة بين العزم والتوكل ؟؟
15 - 12 - 2020

ما هي العلاقة بين العزم والتوكل ؟؟

الجمعة : 26 – 4 – 1442 هـ ... الموافق : 11 – 12 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا ، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه ، وخَلِيلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حميدٌ مجيد ، اللَّهم بارك على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيد .. ثُمَّ أَمَّا بَعْد ..

لازال الكلام في ظل قول الله تعالى { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران :159] .. وقلنا أن هذه الآية فيها الكثير من كنوز المعاني والبيان المُبَيِّنَة لصفات وخُلُق وشمائل خير البرية صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. والحقيقة أنها بالرغم من أن كلماتها معدودة ؛ إلا أن المعاني والقضايا التي تحملها لا محدودة .. وقد تناولت في مقاماتٍ أُخر في غير هذا المقام المبارك ، ما يتعلّق بكثير مما يتعلّق ببيانها وما يدلّ على عظيم خُلُقِ نَبِيِّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكيف ربَّاه ربُّه ، وكيف هو رحمة مُهداة من رب العالمين .. وعرفنا كثير من المعاني المتعلقة بقوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) .. وقفنا عند ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) لأن الله تبارك وتعالى بَيَّنَ لِنبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أن رفقتك هي من خير البرية ، وأن رفقتك وأتباعك وأصحابك هم من خير الناس .. وفي الحديث ، عند البخاري ، أن النَّبٍيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " ، وذكر أمورًا غير ذلك .. والشاهد ، أنه شَهِدَ لأصحابه الذين كانوا معه في قرنه ، وما بعده من قَرْنٍ واثنين ؛ أنهم خير القرون وأنهم خير الناس .. وهذه حقيقة .. فالناظر في سيرة الصحابة – رضوان الله عليهم – يعلم تمامًا كيف أنهم استحقوا صُحبة نبيِّه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بما كان من أثر النّبيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وأخلاقه ولِينِه ورفقته ، ورِفقه بهم وخُلَته وأخلاقه وسموه وعلو مقامه وقدره وذِكره ..كيف أَثَّرَ فيهم ؛ فجعل الواحد منهم أُمَّة .. كان ابن عباس – رضي الله عنهما – يقول " إن ابن مسعود يُبْعَث أُمَّة " .. وكان الواحد منهم يُشْهَدُ له بالجنة وهو يمشي على الأرض حي .. صحيح لم يِشْهَد لجميعهم ؛ لكن الدلائل القرآنية تَشْهَد بأنهم جميع عُدُول وأنهم في الجنة ، فضلًا عن المشهود لهم بصريح الكلام ، وبشهادة النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأنهم في الجنة .. هؤلاء الصُحبة ، أمَرَه أن يعفو عنهم عن ما قدّموا في يوم أُحُد ، وأن يستغفر لهم حتى تُخَلَّى ساحتهم فيما بينهم وبين ربهم ؛ ثم أَمَرَه أن يَشُورَهم ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) .. ذلك أن النَّبٍيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان يسير في أَمْرِه على نهجَيْن أو على طريقَيْن ، كان يسير في أَمْرِ الدنيا وأمور الواقع وأمور التعامل مع الآخرين ، بالمشورة .. بمعنى إذا كان الأمر فيه غزو أو فيه سفر أو فيه قتال أو فيه ردّ أو دفع عدوّ صائل ، كان يُشَاوِرُ أصحابه على المَحِل وعلى الخروج أو البقاء في المدينة أو غير ذلك .. وما كان مِنْ أَمْرِ الدين ، فكان الحاكم فيه هو الوحي .. فإمّا أن يكون أمر واقع ؛ فكانت تجري فيه المشورة .. وإمّا أن يكون أَمْر دينٍ ؛ فلا مشورة فيه لأن الحكم فيه لله عز وجل بما يوحي إليه ، إمّا قرءان وإمّا سُنَّة .. كان هذا هو الطريق الذي يسير به النَّبِيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مع أصحابه ، وكيف ربَّاهم على ذلك .. ولذلك كانوا في أمر الدين ينتظرون الوحي ، وينتظرون ما يقضي به  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وأما في أمر الدنيا والأمور الواقعية ، كان يُشَاوِرُهم .. فلمّا كان يوم أُحُد ..

ماذا كان ؟ شاورَهم ؛ فشاروا عليه أن يخرجوا إليهم ، لمّا علموا بمجيء القوم وأنهم سيعتدون عليهم ويأتونهم المدينة ؛ شاورهم ، أيخرج من المدينة فيستقبلهم خارجها ، أم يمكث في المدينة وينتظر كيف هجومهم عليها ؛ فأشاروا إليه بأن يخرجوا إليهم ، وعَمِل بمشورتهم ولَبِس لَأْمَتَه ، وكان في أُحُد ما كان مما بَيَّنته في مقالاتٍ سابقة ، وكيف خالف الصحابة أو بعضهم أمْرَه ، وكيف فَرُّوا لمّا سمعوا بموته ، وكيف .. وكيف ، من الأمور التي تثير الحفيظة وتُثير الغضب ؛ ولكنه لم يحمل عليهم ولم يُعَنِّفهم ولم يُعَنِّتهم ، واكتفى بما عندهم مِن دينٍ يحملهم على الحزن ويحملهم على عتاب النفس ، دون أن يزيدهم هو عتابًا على عتابهم أو يزيدهم حِمْلًا على حِملهم على أنفسهم .. فَأَمَرَه ربُّه أن يعفو عنهم ، وأمَرَه ربُّه أن يستغفر لهم .. أمّا العفو فهو من باب أن يُخلِّي نفسه وأن يُخلِّي ما حمله قلبه من حفيظةٍ وغضبٍ وغيظ ، على ما كان منهم من تَعدِّي .. وأمّا الاستغفار فهو طلب أن تُمْحَى عنهم خطاياهم وأن يغفر الله لهم ما قدّموا وما وقعوا فيه وما استزلّهم فيه الشيطان ؛ حتى تُخَلَّى ساحتهم وتُنظَّف صحيفتهم ، فطلب منه أن يعفو عنهم في حقِّه ، وأن يستغفر لهم ربَّه سبحانه وتعالى في حق ربنا سبحانه وتعالى ؛ بل وأَمَرَه أيضًا أن يُشَاورهم في الأمر ، بمعنى أن لا يحمله ما كان منهم يوم أُحُد ، وأن لا يحمله أنه أخذ بمشورتهم وكان ما كان ، وأن لا يحمله ما كان منهم من مخالفة أمره والوقوع في ما وقعوا فيه ؛ ألّا يحمله ذلك على أن يهدر قدرهم وأن يسقط مكانتهم فلا يُشاورهم بعد ذلك ؛ فأَمَرَه أن يستمر في معاملتهم وتقديرهم وإنزالهم منزلتهم من حيث أنهم أهْلٌ للمشورة ؛ لأن الله لم يأمره أن يُشاورهم من باب مجاملتهم ولا من باب معاملتهم معاملة خاصة بينه وبينهم ولا من باب المُحاباة ؛ إنما من باب أهْلِيَتِهم وأنهم أهل مشورة وأنهم أهل ثقة ؛ فقال ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) .. فطلب منه أن يعفو عنهم ، وطلب منه أن يستغفر لهم ، وطلب منه أن يُنزلهم منزلتهم وأن يُقدرهم قدرهم ، بماذا ؟ بأن يستمر على استعمال المشورة معهم ؛ فقال ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) .. والمَشورة هي من الأمور التي إذا استعملها القائد ؛ كان فَطِنًا كَيِّسًا .. لماذا ؟ لأن المشورة هي أن تُضِيف إلى رأيك مئات الآراء ؛ فتجتمع الحكمة في مجموع الآراء .. وصدق مَن قال إن العين ترى عيب الجميع ، ولا ترى نفسها إلا بمرآة .. إن العين ترى عيب الجميع ، يعني أنت يمكن أن ترى بعينك هذا أبيض هذا أسود هذا ورمت عينه هذا شكله مقبول هذا شكله غير مقبول ، العين ترى ذلك ؛ لكن إذا سألت العين كيف أنتِ ؟! احتاجت إلى مِرآة حتى ترى نفسها .. فالمشورة هي رؤية الغير للعين ، وإضافة الرأي إلى الرأي ، والجمْع بين الحكمة التي بمجموعها يهتدي العبد لأفضلها وخيرها ؛ فلذلك قالوا " لا خاب مَن استشار ولا نَدِم مَن استخار " .. فتلقيح الحكمة بالحِكَم الأخرى ، وتلقيح الرأي بمجموع الآراء ؛ هذا يُثْمِر كما تُثْمِر الثمار إذا لُقِّحَت بعضها من بعض .. فلذلك كانت المشورة من الأمور العظيمة التي فيها أن تستفيد بحكمة كل مَنْ أعطاه الله الحكمة ؛ حتى أن العبد قد يكون من أهل المشورة ويحتاج بالحكمة والرُّشد إلى المشورة .. قد يكون هو من أهل البيان ومن أهل الحكمة ومن أهل الرأي ؛ ومع ذلك يحتاج من باب مزيد الحكمة ومزيد الرشد ، إلى مزيد حكمة ؛ فهذا لا يتأتَّى إلا بالمشورة .. ولذلك مَنْ تَعَوَّد المشورة ؛ هُدِيَ ، ومَن اسْتَأْثَرَ برأيه ضَلَّ .. مَنْ تَعَوَّد المشورة هُدِيَ ، يعني أنت إذا أردت أي أمر من الأمور وكان لك من الأصحاب والجيران والأولاد والأهل والأنساب والأصهار الذين لهم حكمة والذين لهم رأي ، فاستشرتهم ؛ هُدِيت ؛ لأن هذا يُبَيِّن لك وهذا يُبَيِّن لك ما خفى عنك .. فلذلك كان النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُشَاوِرُ في كل أمر ، وتَبِعَه في ذلك أبو بكر وعُمر – رضي الله عنهما – من بعده ، وسائر الخلفاء الراشدين المَهْدّيّن .. لماذا ؟ لأنهم اسْتَنُّوا بسُنَّته .. هنا يأمره ربُّه ألَّا يُهْدِر قيمة أصحابه وألَّا يُقَلِّل من شأنهم ، وألَّا يُعاقبهم بألَّا يُشاورهم بعدما كان منهم ما كان يوم أُحُد ؛ وكأن الله عز وجل يُنَبِّهه إلى أن المشورة أمرٌ عظيم وأنه أمرٌ فيه الاستفادة .. مِن ماذا ؟ الاستفادة من مجموع حِكَم أهل الحكمة ، ومن مجموع رأي أهل الرأي .. ومن يوم أن فقد المسلمون مسلك الشورى ، من يوم أن اسْتَشْرَى فيهم الضلال واسْتَشْرَى فيهم العِناد واسْتَشْرَى فيهم الأَثَرَة واسْتَشْرَى فيهم التَّعَصّب لقول مَن يرى أنه القول ، حتى يبلغ الأمر كما بلغ في زمن فرعون ، أن يقول { مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر:29] برأيه وبقوله فقط لا غير ، لا يسمع لقول غيره ولا يستشير أبدًا ولا يستفيد من حكمة غيره لأنه يرى أنه قد كُمِّلَت حكمته ، وهو في الحقيقة من الضالين .. فالمشورة كنزٌ في الهداية ، كنزٌ للهداية ؛ مَنِ استعمله هُدِيَ ، ومن فقده ضَلَّ ؛ لأنه يقع في التّعصّب لقوله والأَثَرَة والعِناد في ردّ قول الآخرين .. والمشورة أمرٌ كبير وأمرٌ عظيم وله قواعد وله ضوابط ، ليس هذا محل بيانها ؛ ولكن المراد أن الله ربَّى نَبِيَّه ، ونَبَّهه وحَرَّضَه وأَمَرَه أن يربِّي أصحابه على ما سار معهم عليه ، وهو الرفق في المعاملة والقيادة بالحُسنى ، وأن يُسقيهم من نهر أخلاقه وأن يرويهم من نهر آدابه التي ربّاه الله عليها ومِن رحمته التي جعلها الله فيه مما لم تُجعَل في غيره ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ) .. سبحان الله العظيم !! ..

( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) .. وهنا لابد أن تعرف أن هذه الآية فيها قضايا عظيمة جدًا ، سواء قضايا إيمانية أو عَمَلية .. أمّا الإيمانية ، فهي من الدلائل المُبَيِّنَة إلى أن الإيمان نِيَّة ٌ وعَمَل ، وأن الإيمان عمل القلب وعمل الجوارح .. هنا قال الله تعالى ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) .. والعَزْمُ ، هو أداء كُل ما يَسَعه المُكَلَّف .. بمعنى ، أنت إذا أُمِرت بأَمْرٍ من الله سبحانه وتعالى ، فالعزيمة أن تأخذ بالأمر بحيث تفعل كل ما يسعك ، كل ما في وسعك ، كل ما تقدر عليه ؛ ويصاحب ذلك ويكون معه التوكل .. والتوكل هو عمل القلب .. ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) فهنا أَمَرَه بأمرين ، أن يعزم وأن يتوكّل .. اعزم وتوكّل .. أمّا اعْزِم أو عَزَمْتَ أو عَزَمَ ؛ أي أنك تُؤدّي عَمَلِيًّا ما تستطيعه ، ما في وسعك بحيث لا يكون الأمر مجرد تواكل ، أو يكون الأمر مجرد نِيَّة ، أو يكون الأمر مجرد فكرة ؛ بل يكون عزيمة .. فهذا هو أول أمرٌ في الإيمان ، أن الإيمان عَمَلٌ بالجوارح ، العزيمة هي عمل الجوارح .. عمل الجوارح يعني ماذا ؟ يعني فِعْل ما في وسعك .. يعني ماذا ؟ يعني أنت أردت الزراعة ، فلابد من أن تحرث الأرض وتنتقي البذر ، وتضعه في موسمه ، ثم تغطيه بالطريقة التي تتناسب معه ، ثم بعد ذلك تسقيه ، ثم بعد ذلك تُرَاعيه من تغيرات الجو من صقيعٍ وغيره ، ثم بعد ذلك تتابع دفع الآفة عنه ، إلى غير ذلك مما تستلزمه الزراعة .. هذا مثال .. هذه الزراعة ، إذا أنت فعلت كل ذلك فقد فعلت ما في وسعك وقد فعلت ما تقدر عليه ؛ ولكن هناك عمل القلب ، وهو الإيمان بأنه لن يُنبت ولن يُثْمِر ولن يخرج من هذا النبات ثمره ويأتي حصاده ؛ إلا الله .. طيب وجهدك ؟ جهدك هو عزمك .. جهدك هو فعلك .. جهدك هو مَقْدُورُك ، ومَقْدُورُك لا يقول للشيء كُن فيكون ، ومَقْدُورُك ليس قدرةٌ مطلقة ، ومَقْدُورُك لا يخلق ولا يُوجِد ؛ ولكن مَقْدُورُك هو فِعْل ما استطعته .. إذًا { ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ } [الواقعة:64] .. بمعنى ، ليس ءَأَنتُم الذين تحرثون وأنتم الذين تبذرون البذر وأنتم الذين تسقونه الماء ؛ لا  .. أنتم تفعلون ذلك ؛ ولكن كَون هذا كله يَنبُتُ عنه زرع ، يعني ينبت عنه ثَمَر ؛ فهذا سؤال ربّاني مُقرر ، استفهامٌ تقريري ( ءَأَنتُمْ ) بما فعلتم من حَرْثٍ وبما فعلتم من سِقايةٍ ومن بَذْرٍ وغير ذلك مما يستلزمه الحَرْث ومما تستلزمه تلك الزراعة ، هل أنتم الذين تُخْرجون ثَمَرَه ؟ هل أنتم الذين تُخْرجون نتاجه ؟ هل أنتم الذين تجعلون له حصاد ؟ .. كلّا وألف كلّا .. بل القادر على ذلك وحده هو الله .. طيب إذا أنت تركتَ الحرث وتركت البذر وتركت السقاية ، وقلت كل عملي هذا لا قيمة له وبالتالي وجوده كعدمه ، وفعله كعدم فعله ، أنا كوني حرثت الأرض وكوني بذرت البذر وكوني سقيت الماء وكوني دفعت الآفة وكوني رعيت الحرث ، كل ذلك لا قيمة له ، لأن الفعّال هو الله ، ولأن الزارع الذي يزرع ذلك حقيقةً بفعله هو الله ؛ فإذا ما قلت ذلك ؛ كان ذلك أقرب للكفر منه للإيمان .. لماذا لأن الله أَمَرَكَ وكَلَّفَكَ أن تتّخذ من السبب انتظامًا مع مسير الكون الذي سيَّره سبحانه وتعالى على نظام الأسباب .. بمعنى ، لا ولد إلا بنكاح ، ولا زرع إلا بحرث .. لا يمكن أبدًا .. ولا منتوج إلا بصناعة وعمل .. لا يمكن .. لماذا ؟ لأن هذا هو نَظْم الكون الذي نَظَمَه الله ، في ظل أن الفعّال لما يريد هو الله .. فأنت لابد أن يجتمع عندك تَصَوّر .. هذا التصَوّر له ركنان .. الركن الأول ، هو أن الكون منظومٌ على وِزان الأسباب .. بمعنى أنه لا ولد إلا بنكاح ، وكذا ، وكذا ، وكذا .. كل شيء له أسباب .. وأنت مطالب بأخْذ الأسباب { وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا } [الكهف:84-85] .. فلذلك أَمَرَ الله تعالى بذلك ، وأَمَرَ به نَبِيُّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال " احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعَك واسْتَعِن بالله ولَا تَعْجَز " .. وهنا قال له ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) .. يعني ماذا ؟ يعني إذا انتظمت بعزيمتك على فِعْل ما انتظم عليه الكون من السبب ؛ فلابد أن تعلم تمامًا أنك مطلوبٌ منك الركن الثاني من منظومة العمل ومن منظومة الإيمان ، وهو ركن التوكّل .. وما هو التَّوَكُّل ؟ .. هذا ما أُبَيِّنُه بعد الاستراحة إن شاء الله تعالى..  

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى ، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى ، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه .. أَمَّا بَعْد ..

قبل أن نشرع في بيان التوكل ، قد عرفنا أن العمل الإيماني والعمل الدنيوي والعمل الذي كلَّف اللهُ به عبادَه ، أي عمل .. ستبيع ، ستشتري ، ستزرع ، ستصنع ، ستجاهد ، ستقاتل ، ستُعلّم ، ستدعو ، ستُبَيّن ، ستهدي ، ستتزوّج ، أي عمل .. لابد فيه من رُكنين .. • الركن الأول ، هو أداء فِعْل الجوارح .. ليس المراد ترتيب إنما المراد علم المحتوى .. الركن الأول ، الركن الثاني .. الثاني هو الأول .. الأول هو الثاني .. ليست القضية الترتيب ؛ إنما القضية ، وجود المحتوى .. الركن الأول هو فِعْل الجوارح ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) فهنا عَبَّرَ عنه القرءان ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) أي فإذا فعلت الركن الأول وهو فِعْل الجوارح ؛ ينقصك الركن الثاني ( فَـ ) .. ولذلك جاءت بالفاء .. الفاء هذه ، تُسَمَّى " فاء التعقيب " .. الفاء هذه ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) الفاء الأولى ، فاء التقدير ، يعني إذا قُدِّرَ أنك عزمت ، إذا قُدِّرَ أنك زرعت ، إذا قُدِّرَ أنك صنعت ، إذا قُدِّرَ أنك جاهدت ؛ لابد أنك ستؤدّي الركن الأول بفعل الأسباب • فيبقى الركن الثاني وهو اعتماد القلب على الله .. وهذا هو التَّوَكُّل .. فتكون بذلك قد أقمت ركني العمل .. انظر .. هذه الآية نحن نحفظها ، نحن نسمعها ؛ لكن لا نتنبّه إلى المعنى المراد منها .. فهنا تنبيه على مسائل .. أوّلها ، أن الركن الأول لا يكفي ، وأن الركن الأول بغير الركن الثاني ؛ لا قيمة له ، ولا يُسْمِن ولا يغني من جوع .. فمن حرث وبذر وسقى وراعى ودفع الآفة دون أن يكون مُتَيَقِّنًا مُتَوَكِّلًا على الله ، أن الذي سيزرع ، أن الذي سيُنبت وأن الذي سيُثْمِر هو الله ؛ فإن كل ذلك عبث .. كل ما قدّمه بعزمه ، وكل ما فعله بجوارحه ؛ عبث .. وإذا تَوَكَّل دون أن يَعْزِم ؛ عبث .. بل هو ضلال .. فكُلُّ متوكّلٍ لا يُؤدّي ما يملكه من أسبابٍ ؛ فهو ضال .. وكُلُّ مؤدٍّ للأسباب دون أن يتوكّل أو دون أن يعتمد بقلبه على الله ؛ فهو عابث .. مثل ما يكون واحد " بيلعب ، بيهبّل ، بيهبّش " لماذا ؟ لأن المنظومة الكونية لمن خلق الكون ودبّره ، للربّ الذي لا ربّ سواه ، لمن أقام الكون ونَظَمَه ، نَظمَه على ماذا ؟ على أن هذا الكون يسير على منظومة الأسباب ؛ في ظلّ ، في ظل – أكرر هذا – في ظل ، اعتماد القلب على الله ؛ بأنّ الفعّال هو الله { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [البروج:16] .. أنتَ مَرِضْتَ فأخذت الدواء وانتقيت أحسن الدواء وتعمقت في فن الدواء ، وأبعدت النجعة في تحصيل الدواء ، دون أن يعتمد قلبك على الله في أن الشفاء بيد الله ؛ فأنت بهذا الدواء وهذا المجهود وهذا العزم ؛ عابث .. وإذا أيضًا توكّلت بأن الذي يشفي هو الله ، وأن الدواء ليس له قيمة وأن الدواء " دا كلام الناس الفاضية ، وكلام الناس المتعلقة بالأسباب وما شابه " فهذا أيضًا ضلال .. وهذا الذي يهدينا لمعنى التوكّل ..• ما معنى التَّوَكُّل ؟ أن تتّخذ السبب كأنّك عابدٌ للسبب – هذه عبارة تقريبية ، كنت أُقررها في التدريس من باب أن يفهمها الناس – تخيل واحد مفتون بالسبب ومتعلق بالسبب ، سيتخذ السبب بإتقان أم لا ؟ سيتخذ السبب بإتقان شديد .. فالتوكل هو أن تتخذ السبب بالإتقان الشديد ؛ كما لو كنت متعلّقًا بالسبب .. أنت لست متعلّقًا بالسبب ولكن كما لو كنت ، من باب الإتقان .. وأن تعتمد بقلبك على الله ، كما لو كنت لا تؤمن بالأسباب .. فصرت في أخذ الأسباب متقن ، وصرت في الاعتماد على الله بالقلب متقن ؛ فصار حالك في الأخذ بالأسباب كأنك تتعلق بها من دِقَّتِك وحرصك ، الذي هو ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) والعزم هو فِعْل المكلَّف لما يسعه .. عزيمة .. وليس استهتار ، ولا تراخي .. بل عزيمة .. ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) .. فتكون في أخذك للسبب كما لو كنت متعلّقًا به .. فالتَّوكّل هو أن تأخذ السبب كما لو كنت متعلّقًا به ، وأن تعتمد بقلبك على الله كما لو كان لا سبب ، كما لو كنت لا تتخذ سبب .. فتكون قد جمعت بين المعادلتين .. وتكون قد حققت بذلك الركنين .. ركن العمل ، وركن الاعتماد بالقلب على الله .. بعبارة شرعية أقرب ، وعبارة علمية أقرب ، التَّوَكُّل هو اعتماد القلب على الله مع أخذ ما يسع العبد من السبب .. فيه واحد يكون مريضا ، آخر حدوده في الدواء ، اسبرينة .. لا إمكانيات ولا مال ولا قدرة ؛ إلا اسبرينة .. فأخذ الاسبرينة مع اعتماد قلبه على الله بأنه { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [الشعراء:80] وأنه لا يشفي إلا الله ، وأنه لا يسوق الشفاء مع أي دواء كان إلا الله ؛ يكون بذلك قد حقق المعادلة ؟ نعم .. لأنه لا يسعه إلا الاسبرينة .. ليس لديه قدرة أكثر من ذلك .. " لو واحد ليس عنده قدرة ، ولا عنده معلومة في الزرع غير إنه يجيب شوية حبوب ويرميهم أمام البيت في قطعة أرض خالية ، ويتركها للمطر ، وهذا آخر حدوده ، هذا آخر ما عنده ، دون تكاسل ودون تواكل ، دون استهتار ، دون تسيب .. لو أن واحدًا فعل ذلك ، مؤمنٌ بأن الله هو الذي سيزرعه له وسيخرج منه الثمر وسيخرج منه الحَبّ ، مؤمنٌ بذلك .. وهذا الذي فعله قد يكون بالنسبة لغيره " عبط " لا قيمة له .. لكن هذا آخر حَدّه .. سيخرج الله له به من الثمر والحَبِّ ، ما يطعمه وما يكون رزقًا له ؛ بل لعله يكون وفير .. لأنه حقَّق المعادلة .. آخر وسعه في الأسباب مع إعتماد القلب على الله .. لكن لابد هنا من تنبيه .. • أن الأهم في الركنين – في ركني التّوكل ، أو ركني الإيمان – الأهم هو الأسباب أم اعتماد القلب على الله ؟ أي الركنين أهم ؟ هذا مهم وهذا أهم .. الأهم هو اعتماد القلب على الله .. لأن اعتماد القلب على الله مفاده ، إنزال الله منزلته .. • وهنا لطيفة علمية جميلة جدًا جدًا جدًا ، وهي أن التّوكّل يجمع بين القوة والضعف .. قمة القوة وقمة الضعف .. كيف ذلك ؟ أنت عندما تتخذ من الأسباب ما تستطيعه ، وتكون مثلًا تستطيع أسباب معينة ؛ مثل الذي يزرع وعنده آلآت حديثة وعنده أسباب ري كثيرة وعنده بذور مجودة وعنده وعنده وعنده .. يبقى مثل ذلك عنده من الأسباب قوة قوية أكثر من غيره بكثير .. يبقي إذًا هو عندما يتخذ الأسباب ، يستعمل قوته أم يستعمل ضعفه ؟ يستعمل قوته وهي ما أوتي من الأسباب " أنا الحمد لله عندي آلآت ، الحمد لله عندي كذا" .. يعني قوي .. ثم هو مطالبٌ بالركن الثاني وهو اعتماد القلب على الله .. اعتماد القلب على الله ، قوة أم استضعاف ؟ ضعف .. معناه أنك بتقول " أنا صفر " .. أنا من حيث الأسباب أساوي صفر .. " ليه يا عم ! دا أنت عندك آلآت وعندك مياه وعندك زرع وعندك حبوب وعندك كل الأسباب بقوة " .. أي نعم هذه قوتي أنا ؛ أما أمام ربنا سبحانه وتعالى ؛ أنا صفر .. فجمعتَ في التوكل بين القوة والضعف .. بين القوة ، باستخدامك للأسباب ؛ ولذلك قال له هنا ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) .. العزيمة ، قوة أم ضعف ؟ .. " أنت لما تلاقي واحد تعبان وهزلان ومش عايز يقوم ، وعنده امتحان ومش راضي يذاكر وعنده عمل مش  راضي يروحه " بتعتبره كسلان أم ذا عزيمة ؟ بتعتبره هزلان كسلان تعبان مرضان .. لكن هنا قال ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) وليس ( فَإِذَا فَعَلْتَ ) .. ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) يعني استعملت قوتك .. يبقى هذا مقام قوة .. معه والأهم منه ، هو مقام ماذا ؟ مقام ضعفك بين يدي الله .. فكأنّك تقول " يا رب أنا استعملت قوتي حتى بلغت منتهاها ، ولا حول ولا قوة لي إلا بك ، وأنا أعتمد بقلبي عليك ضعفًا – من ضعفي – لأنني لا أستطيع أن أُخرِج من هذا الزرع شيئًا ، ولا من هذه الصنعة شيئًا ، ولا من هذا العمل شيئًا ، ولا مما أبنيه ولا مما أصنعه ولا مما أعمله " .. فجمعت في التوكل بين القوة والضعف .. وهذا سِرٌّ عظيم في الإيمان ، بحيث أنك في القوة ، بذلت كل ما تستطيع .. وفي الضعف ، انكسرت وذللت وضعفت واشهدت اللهَ أنك صفر .. هذا أهم .. واتّخاذ السبب وإعمال القوة التي تملكها مهم .. ولذلك مَن ترك السبب بدعوى اعتماد القلب على الله ، يُسَمَّى متواكل لا متوكّل ؛ لأنه فَقَدَ رُكن .. لماذا قال هنا ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) ؟؟ لأن العبد لا يستعمل قوّة الأسباب إلّا إذا احتاج إلى استعمالها .. أنت يمكن أن تكون طوال عمرك لم تزرع – كل عمرك – لم تفكر أن تزرع ، ولا حتى شتلة في بيتك .. وارد أم غير وارد ؟ .. وارد .. ممكن تكون عمرك ما بنيت .. عمرك ما صنعت صنعة معينة لأن أنت رجل بتكتب أو في مكتب أو طبيب أو ما شابه .. فبالتالي عندما تَهِمّ بالزراعة وتفكر أن تزرع ؛ هنا ماذا ستفعل ؟ ستستعمل قوتك المملوكة .. فهنا يقول له ، عندما تريد فِعْل شيء ، فتعزم عليه ؛ لابد أن تضيف إلى عزمك هذا واستعمالك لقوتك ؛ أن تحقق الركن الأهم ، وهو ماذا ؟ ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) .. وبالتالي ، أَمَرَ الله نَبِيَّه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن يربِّي نفسه وأن يُربّي أصحابَه على أنه إذا ما عزم على أَمْرٍ أو إذا ما اتخذ من قوة أسباب لأمرٍ ؛ فلابد من أن تحقق الركن الأهم ، وهو ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) .. وعرفنا أن التَّوَكُّل على الله ، هو أن تكون ضعيفًا ، واستعمال ضعفك ، وإظهار ضعفك ، وإثبات ضعفك بين يدي قوة الله سبحانه وتعالى ، من باب إيمانك بأنه لا يقدر إلا هو ولا يفعل إلا هو ولا يعطي إلا هو ولا يمنع إلا هو .. بدليل ، أن هذا تزوّج ونكح ولم ينجب .. وهذا تزوّج ونكح وأنجب ولدًا واحدًا ولم يستطع أن يُثَنِّي فيه ، وهذا تزوّج وأنجب وأتى بعَشر .. مَن الذي فعل هذا كله ؟ لو كان العبد يفعل شيئًا؛ لكان للذي لم ينجب ، ولدًا .. لأنه ما من متزوج إلا وتمنى ولو ولد واحد ، حتى إذا تأخّر الرزق بالأولاد ، حار الناس عند الأطباء ، بحثًا منهم عن ماذا ؟ ليس بحثًا منهم عن ربٍّ آخر .. إنما بحثًا منهم أن أسبابٍ مزيدة ، عن استعمال مزيد من قوة الأسباب .. لكن هنا يقول الله لهم بالنتائج ، أنا الفعّال لما أريد .. { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَـٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـٰثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } [الشورى:49-50] .. إذًا مَن الذي يجعل ؟ مَن الذي يَهَب ؟ مَن الذي يرزق ؟ .. إذًا هذا دليل على أن الفعّال هو الله .. فأنت لابد أن تكون قويًّا في أخذ الأسباب ، إعمالًا لقوة أسبابك ، وتكون ضعيفًا ضَعِيفًا  ضَعِيفًا بين يدي قوة الله الفعّال لما يريد ، الذي له القوة المطلقة ، الذي لا يحوله إذا أراد شيئًا ، وأنت تؤمن بذلك .. مَنْ حقّق هذه المعادلة ، حقَّق الإيمان .. مَنْ حقّق هذه المعادلة فقد حقَّق الإيمان .. ليس محقِّقًا للتوكل فقط .. بل حقق الإيمان .. لأنه إذا اعتمد بقلبه على الله ، من باب أنه الفعّال ، من باب أنه الذي يَهَب ، من باب الذي يطعم ، من باب أنه الذي يعطي ، الذي يمنع .. ، كل هذا هو الإيمان .. والمراد منك ماذا ؟ أن تُنزل اللهَ منزلته .. ولذلك قالوا تعرف الله بكونه ، وتعبده بشرعه .. " تعرف اللهَ بكونه " أمَرَنا أن ننظر إلى السماوات وإلى الأرض وإلى اختلاف الليل والنهار وإلى تتابع الشمس والقمر ، وإلى كذا وكذا ، وإلى مسير السفن في البحار ، أَمَرَنا أن ننظر في الكون ؛ لنعرفه .. أم لنتسلى ؟!! أَمَرَنا أن نعرفه بكَوْنِه ، ونعبده بشرعه ... أسأل اللهَ العلي الكبير أن يجعلنا وإياكم من المُتوكّلين ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثَبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا .. أعِنَّا ولا تُعِن علينا .. رُدّ بطش الكافرين عنّا وقِنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم اثأر لنبيّك من المستهزئين وأرنا فيهم عجائب قدرتك وأرنا فيهم آيات عِزّك وانتقامك .. اللهم وأهلكهم بددا وأحصهم عددا فلا تبق منهم أحدا .. اللهم وأهلكهم جميعًا واشف صدور قومٍ مؤمنين .. اللهم ارزقنا سبيلًا نناصر به نبيّك وأن نكون من خير أتباعه .. اللهم يا رب ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك .. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم .. اللهم اشفنا واشف مرضى المسلمين .. اللهم اشفنا واشف مرضى المسلمين .. اللهم اشفنا واشف مرضى المسلمين .. وارفع البأس عنّا يا رحمـٰن يا رحيم .. فَرِّج كَرْب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين واجعلنا هُداة مهتدين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمـٰن يا رحيم .. ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين .. وصلِّ اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ....

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
الجمعة ... 12 – 3 – 2021 ... من أداب اتباع الجنائز
الجمعة ... 5 – 3 – 2021.. كيف ندعو للمريض وبما؟؟
الجمعة ... 26 – 2 – 2021 ... ما هى أداب عيادة المريض؟؟
الجمعة ... 19 – 2 – 2021 ... هل رد السلام واجب؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15