أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 4 – 6 – 2021 ... أحكام إجابة الدعوة
الجمعة ... 28 – 5 – 2021 ... الاسراع بالجنازة وقضاء الدين عن الميت
الجمعة ... 21 – 5 – 2021 ... هل المسجد الأقصى فى عقيدتنا؟؟
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
القرآن شفاء للصدور والأبدان .. -
القرآن شفاء للصدور والأبدان ..
17 - 2 - 2021

 

القرآن شفاء للصدور والأبدان ..

الجمعة : 30 – 6 – 1442 ه‍ ... الموافق : 12 – 2 – 2021 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله تعالى ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا ، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه ، وخَلِيلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. ثُمَّ أَمَّا بَعْد ..

لازال الكلام مستمرٌّ في استبيان هُدَى القرءان ونوره ، ومعرفة أن ما أُنزِل على نَبيِّنا محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو النُّور التّام والهُدَى والرحمة .. واليوم نُشِير إلى كَوْن القرءان شِفاء ، بعدما عرفنا أن القرءان نور وأن القرءان هُدًى ورحمة وأن القرءان عنوان الإيمان واليقين ، وغير ذلك مما ذُكِرَ في المقالات السابقة في غير هذا المحل المبارك ..

يقول الله تعالى { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [الإسراء:82] .. ويقول الله تعالى { يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } [يونس:57] .. هذا فيما يتعلّق بذكر القرءان للشفاء .. وقد جاء ذِكْر الشفاء أو وَصْف القرءان بأنه شفاء ، جاء ذلك في غير ما موضع من كتاب رب العالمين ، وهو في الحقيقة لابد أن نعلم أن كَوْن القرءان شفاء ؛ فهو شفاء للأمراض الحِسّيّة والمعنوية ، وصرف الشياطين التي يمكن أن تُؤذي الإنسان وتكون من جنس الداء الذي يحتاج الإنسان له إلى دواء .. وقد جاءت النصوص من السُّنَّة تُبَيّن كيف كان النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يستشفي بالقرءان ، وكيف كان الصحابة الكرام ، أيضًا يستشفون بالقرءان ، وما جاء من النصوص ما يُبَيِّن كيف أن القرءان ، فيه من الخير ما فيه ، وفيه من الدواء لكل الأدواء ، سواء كانت حِسِّيَّة ، أي جسدية ، أو سواء كانت معنوية .. أمّا كَوْن القرءان شفاء لما هو معنوي ، فلابد أن تعرف ما هي الأمراض المعنوية .. الأمراض المعنوية ، هي أمراض القلب ، ولا يمكن أن يستشفي الإنسان من أمراض القلب إلّا بالقرءان .. وأمرض القلب ، أعلاها ، ما يكون من النفاق .. فالنفاق هو أعلى أمراض القلب ؛ ولذلك لمّا ذَكَرَ اللهُ تبارك وتعالى ، المنافقين ؛ قال { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } [البقرة:10] .. فجعل وَصْفَهُم غالبًا على اسمهم .. جعل الوصف غالب على الاسم ؛ وذلك لأن أعلى أمراض القلب ، النفاق .. ثم يتفرّع منها ، ما يتعلّق بالحِقد والغِلّ والحَسَد ، ما يتعلّق بحبّ زوال النعمة ، ما يتعلّق بسوء الطوية وخُبث النّفْس ، ما يتعلّق بحبّ الشَّرّ للآخر ، وغير ذلك مما تُبْتَلَى به القلوب فتكون على أحقر ما تكون .. كل هذا وغيره – وهذا غير الذي أريد أن أُشِير إليه – كل هذا وغيره ؛ إنما هو من أمراض القلوب التي تعتبر من الأمراض المعنوية التي يحتاج الإنسان إلى دواءٍ لها ، ويبحث دائمًا عن مدواتها .. ولذلك صُنِّفَت كثيرٌ من المُصَنَّفات ، سواء كانت في الإشارة إلى أمراض القلوب ، وكذلك الإشارة إلى دواء تلك الأمراض .. ولابن القيم ، مُصَنَّف بديع ، يُسَمَّى " الداء والدواء " تدور مباحث هذا الكتاب فيما يتعلّق بالإشارة إلى أمراض القلب وكيف يُداوي العبد نفسه أو يَتَدَاوى العبدُ من هذا الداء بالقرءان ، وبغيره مِمّا جعله النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سببًا للشفاء من هذه الأدواء . • لكن كأَمْرٍ ينبغي أن نعرفه ، وكمعتقدٍ ينبغي أن نُثْبِته ، هو أن القرءان أيضًا دواء للأمراض الحِسّيّة ، بمعنى أنه كما يتعاطى الإنسان الحُقَن والمراهم والأقراص التي يتداوى بها مما يصيبه من أوجاعٍ وآلامٍ وأمرض البدن ، لابد أن يعلم أن القرءان فيه من هذه الأدوية ، تمامُها ؛ وبَانَ ذلك ، أو استبان ذلك في السُّنَّة ، ففي الحديث ، من حديث عائشة – رضي الله عنها – عند مسلم ، قالت ( كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِن أَهْلِهِ ، نَفَثَ عليه بالمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الذي مَاتَ فِيهِ ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عليه وَأَمْسَحُهُ بيَدِ نَفْسِهِ، لأنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِن يَدِي ) .. والمعنى أن النّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان إذا مَرِضَ أحدٌ من أهله ؛ يُداويهم .. كيف كان يُداويهم من مرض ؟ - وطبعًا المقصود بالمرض في الحديث ، المرض الحِسِّي . يعني ليس المقصود المَرَض القلبي ؛ لأن المَرَض القلبي هو مَرَضٌ لا يعرفه إلّا مَن أُصِيب به ، بينه وبين ربّه .. أما المَرَض الحِسِّي ، هو الذي يراه الآخر ، كما يرى الطبيب وجعك أو أَلَمَك أو وَرَمَك أو حرارتك أو ما شابه ؛ فيراه .. • فكان النَّبِيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُدَاوِي ، ليس بالاسبرين ولا بالأقراص ولا بالحقن ؛ إنما كان ينفث عليه . ومعنى ( النَّفْث ) هو جَمْعُ الكَفَّيْن وإخراج بُخَار النَّفَس من الفم .. يعني يجمع الكَفَّين ويفعل هكذا " يُخْرج النَّفَس من فمه في كَفَّيه " ثم يقرأ على هذه الرطوبة التي خرجت من فمه المبارك الشريف في كَفَّيه ، يقرأ فيهما المُعَوِّذات ، وهذا أَبْيَن في رواية البخاري ، من حديث عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت  ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ : جَمَعَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا ، فَقَرَأَ فِيهِمَا : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) .. والمعنى ، أنه كان إذا أَوَى إلى فراشه ؛ وهذه سُنَّة غائبة .. هذه يا إخوان سُنَّة غائبة ؛ بالرغم من أن مَن جربها ومَن تعاهدها ؛ يجد بها الخير الكثير في ذهاب آلام البدن التي يمكن أن يعاني منها طيلة النهار .. عندما تأتي وتجلس على فِرَاش نومك ، تجمع بين كفّيك وتنفث فيهما ، تُخرج الرطوبة من فمك في كفيك ، ثم تقرأ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ثم تمسح ما بلغت يدك من جسدك ، تبدأ بوجهك ورأسك ، يعني تمسح من الوجه والرأس ، ومن الخلف والأمام ، بحسب ما أو بقدر ما تبلغ يدك .. قالت ( يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) .. إذًا ، هذا أحد السُّبُل التي يُتَدَاوَى بها من الأمراض الحِسّيّة بالقرءان .. • وبالمناسبة ، كلَطِيفَةٍ ، أن العلماء أخذوا من هذه النصوص المتعلّقة بالنَّفْث وقراءة المعوّذات ، أخذوا منها جواز قراءة القرءان على الماء للاستشفاء ؛ لأن النَّفْث يُخْرِج الرطوبة ، يُخْرِج رطوبة النَّفَس بغير قَذَر ، ليس فيها نخامة وليس فيها بُزَاق – والبُزَاق والبُصاق لغتان – فأخذ العلماء جواز قراءة القرءان على الماء ؛ من باب أن الماء كالرطوبة التي تخرج في الكَفَّين عند النَّفْث ، ثم قراءة القرءان فيختلط القرءان بتلك الرطوبة في النَّفث الذي كان يفعله النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – والذي كانت تفعله عائشة – رضي الله عنها – وغيرهم .. هذا هو تخليط القرءان بالرطوبة . • وبالتالي إذا تساءلت هل يجوز أن يُقرَأ القرءان على الماء ليُستَشْفَى به ، شُرْبًا وغُسْلًا ومَسْحًا ؟؟ يُقَال نعم .. والدليل ، هو هذا الدليل .. وأيضًا ، أخرج البخاري ومسلم ، من حديث أبي سعيدٍ الخُدري – رضي الله عنه – قال " كان نَفَرٌ من أصحابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَزَلُوا بقُرْبِ قَبيلة ، فَاسْتَقْرُوهم ؛ فَأَبَوْا أن يُقْرُوهم . ثُمَّ لُدِغَ سَيْدُ هذه القبيلة ؛ فجاءوا إليهم وقالوا هل عندكم من دواء ؟ - أو هل فيكم راقٍ ؟ لقد لُدِغَ سَيْدُنا . قالوا إنَّا اسْتَقْرَيْناكم فلم تُقْرُونا ، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا . فجعلوا لهم قطيعًا من الشَّاء . فأخذ أحدُهم يقرأ الفاتحة على اللديغ ، ويجمع بُزاقه ويتفله ويقرأ الفاتحة ، يكررها ؛ حتى عُوفي وشُفِيَ ذلك اللديغ . فأخذوا الغنم ؛ وقالوا لا نأخذ منه شيئًا حتى نرجع إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فلما رجعوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَصُّوا عليه الأمر ؛ فضحك النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : " وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ "

.. والمعنى ، أن جماعة كانوا في سفر ونزلوا بقرب قبيلة ، فَاسْتَقْرُوهم " أي طلبوا منهم إقراء الضَيف " ، فأبوا أن يُضَيِّفوهم . فَلُدِغَ سيد هذه القبيلة .. انظر لُدِغ .. واللَّدْغ يكون بذوات الإبَر ، التي تَبُثُّ سُمًّا ، كالعقرب وذوات الشّوكة ، ليس الثعبان ؛ إلّا أن يكون الثعبان لا يُسَمِّم إلّا بالعَضّ .. وهذا أمْرٌ شرحه يطول .. فقالوا لهم هل عندكم من دواءٍ أو راقٍ يَرقِي ؟ فطلبوا منهم دواء للسُّمّ . فأَبَوا أن يُعطوهم إلّا أن يجعلوا لهم جُعْلًا مقابل أن يرقوهم ؛ لأنهم امتنعوا عن إقْرائهم ، امتنعوا عن أن يُطعموهم . فلمّا كان ذلك ، ماذا فعل الذي رَقَى ؟ قال فأخذ أحدهم يقرأ بالفاتحة ، ويجمع بُزَاقه ويتْفِله . يعني يجمع ما في الفم من بُزاق ويَتْفِله على موطن اللّدْغ ويقرأ الفاتحة ويكرر ؛ حتى عُوفِيَ ذلك اللَّديغ .. فذلك استشفاءٌ بالقرءان فيما يتعلّق بلدغة ذوات السموم ، أو ذوات الإبَر .. تنبّه .. فهذا أيضًا يدل على ماذا ؟ على الاستشفاء بالقرءان .• وفي الحقيقة ، كان كثير من السلف ، منهم عُمَر – رضي الله عنه – لا يتداوى إلّا بالفاتحة .. يعني جاءه مَغَص ، جاءه بِطْنَة ، أخذه شيءٌ من الألم ، أُصِيب بِلَدْغَة ، أو غير ذلك ؛ يتداوى بالفاتحة .. ولذلك كان من بعده ابنه ، ابن عُمَر ، يقول : هذه الفاتحة ، فأين عُمر ؟!! .. • وهذا يعني ، أن الاستشفاء بالقرءان أساسه ، الأصل فيه ، هو اليقين بأن هذا شفاء ؛ لأن الله جعله شفاء .. ولذلك أنت ترى ( يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ ) .. وفي آية الإسراء ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) ولم يقل ( شِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ) . لأن ( شِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ) يُفْهَم منها الشّفاء للأمراض المعنوية ، كما ذَكَرْتُ وبَيّنتُ في أول الكلام . لكن في آية يونس ، قال ماذا ؟ قال ( يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ ) .. في آية الإسراء ، قال ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ ) .. شِفَآءٌ ، ليس "  لِّمَا فِي الصُّدُورِ " ؛ إنما ( شِفَآءٌ ) مُطلَقة ، ( شِفَآءٌ) نَكِرة .. • هذا يعني أنه شفاء لكل شيء . شفاء لكل ما يتطلّب . والشفاء ، معناه ذهاب العِلَّة . أي أَمْرٍ يُسَمَّى عِلَّة ، ذهابه يُسَمَّى شفاء . أي أَمْرٍ أو أي وجعٍ أو أي أَلَمٍ أو أي رَمَدٍ في العَين أو أي أَخْذٍ أو أي أَخْذ في النّفْس ، وما في ذلك أيضًا أمراض القلوب ، ما في القلب من عِلَّة ؛ ذهاب العِلَّة يُسَمَّى شفاء . هذا هو معنى الشفاء . وبالتالي ، في موطن يقول ( شِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ) ، وفي موطن يأتي السياق نكرة ( شِفَآءٌ ) . وبالتالي قد عرفنا أن القرءان ، شفاءٌ حقيقيٌّ لأمراض حِسّيّة بدنية ، إمّا من باب الوقاية ، كما يؤخذ في الطب ، يُقال هذا دواء وقاية ، أو هذا دواء يُعطَى جرعة وقائية ، يعني في منه جرعة وقائية ، يعني جرعة تُعطي مناعة أو تُعطي حماية من مجيء المرض . وهناك جرعة معالجة .. فأنت ترى حديث مُداوة اللديغ بالفاتحة ، هذا معالج أم حماية ؟ هذا مُعالِج لأنه لُدِغ ، فأصابه السُّم ؛ فعالجه بالفاتحة ، كما لو كان يُعطيه مُضادات أو يُعطيه حُقن أو يعطيه دواء متعلق بدفع أثر السُّم ، وكان هذا الدواء ، هو ماذا ؟ هو سورة الفاتحة .. هذا كلام لابد أن تكون على يقين منه .. لكن كما قلت ، الأصل في ذلك هو أن يتعامل العبد مع القرءان باليقين قبل أن يقرأ .. حتى الذين يُعالِجون بالقرءان تلاوةً ، من السّحر والمَسّ وما شابه ؛ لا يُنجِع دواءهم ولا يُنجِع علاجهم إلا بماذا ؟؟ إلّا باليقين ، بحسب ما يكون مَن يعالج باليقين .. • لكن نحن نرى في زماننا كثير من المعالجين ، لا هَمّ لهم إلَّا كَسْب المال ، ومنهم من يتعامل بالكهانة .. • والكهانة ، هي طَلَب المعلومة من الجِنّ .. فمَنْ يُداوي أويُعالِج المسحورين أو الممسوسين أو مَنْ يقرأ عليهم أو يُعالجهم – سَمِّه ما يُسَمَّى – بالاستعانة بالجِنّ ، ومعنى الاستعانة بالجِنّ ، طلب المعلومة من الجِنّ ؛ هذه كهانة .. • والنّبيّ –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ ) .. ما هي الكهانة ؟؟ طلب المعلومة من الجِنّ .. باختصار شديد ، بعيدا عن أي تعريفات أُخر ؛ كلها تدور في هذا الفلك .. كونك يكون لك صِلَة بالجِنِّ أو تستطيع أن تتصل بجِن ، فتسأله " ده معمول له سحر ولّا لأ ؟ طيب مين اللي عملهوله ؟ طيب موضوع في أي مكان ؟ " هذا طلب معلومة .. هذا الطلب ؛ كهانة .. حتى تفهم أن الكهانة شيء ، والسّحر شيء .. حتى المُعالِج الذي يُعالِج ، إن وقع في اتصال بالجِنّ ، وطلب المعلومة منه ؛ فهذه كهانة .. وإن لم يتعاطى ذلك ، وقرأ بالآيات ، وحاول أن يُرهق الجِنّ المُسَلَّط بالسّحر على بَدَنٍ ما ؛ فلابد أن يعلم أن العُمْدة في ذلك ، هو اليقين .. تخيل أن لَديغٌ بذات إبرة وأصابه السُّمّ – وطبعًا هذا السُّمّ يجعله بين الحياة والموت – ثم تكون الفاتحة بما جعل الله فيها من بركاتٍ وخيرٍ عظيم ؛ سببًا لماذا ؟ لشفائه من هذا المرض الحِسِّيِّ المُمِيت .. فتنبّه لذلك وتدبّره .. أسأل اللهَ أن يجعلني وإياكم من المتدبِّرين المتبصِّرين ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تَبِعَ هُداه بإحسانٍ إلي يومِ الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النَّبِيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ،

وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ ...

وما ذَكَرْتُ مِن كلامٍ ، عباد الله ؛ يُذَكِّرُنا بأن أنفع الدواء من القرءان ، هو ما يكون مما يُدَاوي به العبد نفسه .. إلَّا أن يلتمس من الصالحين مِمَّن شُهِد له بالصلاح ، بالتّسَامع الجاري بين الخلق ؛ فهذا أمر عظيم .. عائشة – رضي الله عنها – تقول ( فَلَمَّا كَانَ مَرَضُ المَوْتِ الّذِي مَاتَ فِيهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْه بِكَفَّيه أو بِيَدَيه لأنهما أَكْثَرُ بركة من يدي ) ..فذاك يُسَمّى ، المداواة بالقرءان مع التماس الصالح .. مع التماس الصالح الذي يداوي به .. فهي كانت تُداويه بكَفَّيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لعلمها أن كَفّيه أكثر بركة من كفّيها ، وهذا يقين .. فأنت كذلك ، داوي نفسك ؛ إلّا أن تعلم أن هناك مَن هو صالح وتستطيع الوصول إليه ؛ فلك أن تطلب الدواء أو تداوي نفسك من خلاله لمَظنَّة صلاحه ، من باب أن يجتمع عليك خَيْرَان .. خير القرءان الذي يُستَشفَى به ، وخير الصّالح .. والصَّالِح يُعْلَم بطريقين ، إما بخبر الغيب ، وإما بالتّسامع الجاري بين الخلق ، بحيث أن يشهد له مجمل الخلق أو يشهد له أهل السماع وأهل الكلام وأهل الفضل وأهل مَن لهم كلمة ، أن يُشهَد له منهم جميعًا أو غالبهم بأنه صالِح .. وطبعًا خبر الغيب هذا يقين ، يقين لا مرية فيه .. كذلك لابد أن تعلم أن عند مَظَنَّة السّحر أو المَسّ أو ما شابه ؛ لك أن تقرأ القرءان على ماء أو يقرأ لك صالحٌ القرءان على ماء ، وتجعله مَشْرُوبك دائمًا ، وتغتسل منه ، خاصة الرأس والوجه . والماء المستعمل مما هو مقروءٌ عليه قرءان ؛ حكمه حُكْم القرءان ، لا يُداس عليه بالأقدام ، ولا يُسْكَب في مواطن النجاسة ، كالبالوعات وما شابه ؛ بل يُرْوَى به النبات أو يُلْقَى في الأنهار أو ما شابه . بحيث أنك تستعمل الماء المقروء عليه ، وتلقي به في مكانٍ طاهر ، ولا يُداس عليه .. ثم يكون شربتك منه دومًا ، وسُقْياك منه دومًا .. هذه من أنفع الأشياء التي يمكن أن تكون سببًا للعلاج وسببًا للشفاء بالقرءان .. وكذلك أن تقرأ لنفسك وأن تُدَاوي نفسك بنفسك ؛ هذا من أنفع الأشياء ، إذ أن الإنسان لن يَجِدَ مُخلِصًا في إدوائه وفي الاستشفاء بالقرءان ، أكثر من نفسه .. يعني أنت إذا أتيت برَجُلٍ يقرأ لك ؛ ينبغي أن يكون هذا الرجل مخلص في القراءة بقدر يحقق اللهُ به النفع .. هذا القدر لن تجده إلّا في مثل نفسك ؛ لأنك أنت المبتلى وأنت الموجوع وأنت المعلول وأنت تريد أن تخرج من هذه العِلّة ، مُعافًا .. ولذلك أنت تجد المعلول والمألوم والمريض ، عندما يقول له الطبيب افعل كذا وكذا وكذا ، تجده يسمعه بكل طاعة ، وليس هذا من باب أنه يذل نفسه للطبيب ؛ ولكن من باب أنه يريد أن يخرج من العِلَّة .. فأخلص الناس طلبًا للشفاء من العِلَّة هو المعلول ؛ وبالتالي لابد أن يُدَاوي نفسه ؛ إلّا أن يكون غيره أصلح منه بكثير ، وكما قلت مشهودٌ له بالصلاح ؛ فيمكن أن يلتمس منه الدعاء أو يلتمس منه المعالجة كما يُقال أو الاستشفاء بالقرءان ، من باب أن يجتمع عنده القرءان والصلاح ..• كذلك .. لابد أن نعلم أن القرءان هو سبب حِفْظٍ من الله ، وصرف الشياطين قبل مجيئها ، أو قبل أن تَمَسّ الإنسان بسوء .. وأكبر ما يدل على ذلك ، حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – عند البخاري .. اسمع إلى هذا الحديث وتدبّره .. قال أبو هريرة ( وَكَّلَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ ، فأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ ، فأخَذْتُهُ وقُلتُ: واللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وعَلَيَّ عِيَالٌ ، ولِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عنْه ، فأصْبَحْتُ ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : يا أبَا هُرَيْرَةَ ، ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ ؟ قَالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ ، قَالَ: أَمَا إنَّه قدْ كَذَبَكَ ، وسَيَعُودُ ؛ فَعَرَفْتُ أنَّه سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: دَعْنِي؛ فإنِّي مُحْتَاجٌ، وعَلَيَّ عِيَالٌ، لا أعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا هُرَيْرَةَ، ما فَعَلَ أسِيرُكَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّه قدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ، وهذا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بهَا – انظر هذا شيطان ؛ ولكنه يعلم من الأمر ما قد لا نعلمه نحن -  قُلتُ: ما هُوَ؟ قَالَ: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ؛ فإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ ، ولَا يَقْرَبَنَّكَ شَيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، زَعَمَ أنَّه يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ما هي؟ قُلتُ: قَالَ لِي: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِن أوَّلِهَا حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبَكَ شيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ - وكَانُوا أحْرَصَ شَيءٍ علَى الخَيْرِ- فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَمَا إنَّه قدْ صَدَقَكَ، وهو كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَن تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يا أبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيطانٌ ) وهذه رواية البخاري .. الشاهد ، أن هذا الشيطان دلَّه على أَمْرٍ عظيم ؛ وهو أن آية الكُرْسِيّ تكون سببًا لحفظ من الله سبحانه وتعالى ، ويظل العبد عليه من الله حافظ ، إذا قرأها إذا أمسى حتى يُصبح ، وإذا قرأها إذا أصبح حتى يُمسي .. تنبّه .. مَن الذي دلَّه على ذلك ؟ الذي دلّه على ذلك شيطان ، ليس عالِم ؛ بالرغم من أنها معلومة لا تكون إلّا من أعلم الناس . لكن هو يعلم بما يصيبه منها .. هو يعلم بما يصيبه كشيطان ، من آية الكُرْسِيّ .. • وهنا فائدة عظيمة : أن من أعظم الآيات التي تمنع من الشيطان ويُنَال بها حِفْظ الرحمن ؛ آية الكُرْسِيّ .. ومن أعظم الجهل عندنا ؛ الجهل بها .. ومن أعظم الغفلة ؛ الغفلة عنها .. يعني كثير من الأحيان ، يُصيب الإنسان أَزّ من الشيطان ، أَزُّ قرين .. هناك لكل إنسان يا إخوان ، شيطان ، كما لكل إنسان مَلَك ، قد وكّل اللهُ أمر العبد إلى الملك ، وسلّط عليه الشيطان ليكون تحت اختبار الهَمّ بالسّوء والتَّحضيض على السوء ، ويكون المَلَك للحَضِّ على الخير والإعانة على الخير . وهذا الشيطان ، ليس شيطان السّحر ، وليس الشيطان الموكّل بالأعمال السحرية ؛ إنما هو القرين الذي جعله الله لكل نفس . هذا القرين يحاول إذا كان بمفرده ، أن يؤزّ الإنسان إلى السوء ، ويوقعه من معصية إلى معصية ، وإن استطاع أن يبلغ به المُنَى للشيطان ، وما هو المُنَى للشيطان ؟ الكفر .. لا يزال الشيطان بابن آدم حتى يكفر { كَمَثَلِ الشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَـٰنِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَـٰلَمِينَ } [الحشر:16] فالشيطان لا يحتاج من العبد أن يقع في صغيرة ، ولا أن يقع في كبيرة ؛ لكن الأمر الذي يريده ويتمناه ، أن يكفر العبد أو يُشرك ؛ لأنه يعلم تمامًا أنه لا يغفره الله { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء:48] .. أمّا إذا اجتمع مع القرين ، شيطان موَكّل بسحر ، أو شيطان مُوَكّل بأي من الأعمال السحرية ، حتى إن لم يكن سحر كامل ، لأن لهذه تفصيلات ليس هذا محلها ؛ فيتعاون الشيطان الذي ليس بقرين مع الشيطان الذي هو قرين ؛ فيَؤزُّ الشيطان الذي ليس بقرين ، القرينَ ؛ فيرهقوا العبد .. فهذا يُسَمَّى أَزُّ قرين ، أو أَزُّ شيطان .. بمعنى أن القرين الذي هو معك ، إما أن تكون مخمد له ، مُضعف لأثره ؛ وذلك يكون بصلاحك ، حُسْن عقيدتك وحُسْن مسلكك ؛ هذا الذي يُضعِف الشيطان . لا يمنعه ، لا يقتله ، لا يطرده ؛ ولكن يُضعِفه . فإذا تَقَوَّى الشيطان بضيفٍ من شيطان آخر ؛ كان ذلك مما يَؤُزُّه ، مما يقوِّيه ؛ فيجد الإنسان رهق ، ويجد الإنسان سَأَم ، ويجد الإنسان صدّ عن البِرِّ ، ويجد الإنسان نفسه مسلَّط عليه من الشيطان ، من شيطان نفسه ، حتى أن الشيطان الذي هو القرين ، تجده كان يعجز أن يجعل الإنسان يقع في كبائر ، يسهل عليه الكبائر . يعني هناك قرين يريد منك الكبيرة ، من باب أن يقربك من المراد " الكفر" ؛ ولكن أنت أقوى من أن يستطيع ن يَؤُزّك للكبيرة ، وهناك شيطان أملك لك .. يعني أنت تجد إنسان ينتقل من معصية إلى معصية ، ثم ينتقل من معصية أخرى إلى أكبر منها ، ثم لأكبر منها ، ثم لسَبّ الدين وإلى ترك الصلاة وإلى الفُحش وإلى الاستهزاء بالدين وإلى .. وإلى .. فيبلغ مع الشيطان الدرجات العُلا في الباطل ، الدرجات العُلا في الكفر ، العُتُو .. لكن هناك مَن يعجز الشيطان أن يبلغ به ذلك .. • من أهم الأشياء التي تُعينك أنت كعبد في إضعاف الشيطان على ألّا ينتقل ويتطوّر معك من معصيةٍ إلى معصية ، من صغيرةٍ إلى كبيرة ، ومن كبيرة إلى ما هو أكبر ، وما شابه ؛ آية الكُرْسِي .. لماذا ؟ انظر في الحديث .. الشاهد ( لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ ، ولَا يَقْرَبَكَ شيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ ، أو حتى تُمْسِي ) .. إذا قرأ الإنسان آية الكُرْسِيّ ، حينما يقرأ في أذكار الصباح مثلًا ، وقرأها واستحضر معناها وتفكّر في مقتضياتها واستحضر قواعدها العقدية ، يعني أحياها ، كلما يُحْيِيها كلما تَعظم ، كلما يُحْيِيها كلما تَعظُم ويَعْظُم أثرها .. إذا آية الكُرْسِيّ ، أخذت عندك المكان المضبوط وقرأتها بمقاصد ؛ كانت لك حماية .. حماية مِن مَن ؟ مِن الشيطان الذي هو معك ؛ وبالتالي إذا أنت أضعفت الشيطان الذي هو معك ، إذا أُزَّ عليك شيطان ضيف ، إذا جاء آخر ضيف ؛ تكون قد أضعفت أثره .. • وخذ بالك من شيء ، قد يدخل مسحورًا مُحَمَّلًا بشياطين في مجلس ، فيُصيب بعضَ مَن في المجلس ، بسبب أن الشيطان الضيف يشارك الشيطان القرين ، ليجتمع على العبد مع ضعفه وقِلّة أخذه بالأسباب المعينة ، المعينة بالله سبحانه وتعالى ؛ فبالتالي يُصيبه ما يصيبه .. الشاهد في هذا الموضوع وما أريد التذكير به ، هو أن تعلم أن من أعظم ما يُتَدَاوَى به ، ويُتَّخَذ كاحتياط ، كجرعات وقائية ؛ آية الكُرْسِيّ .. تنبّه لذلك .. ولذلك لمّا سأل النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بعضَ أصحابه عن أعظم آية في كتاب الله ، وأجاب أبو المُنذر ، أنها آية الكُرسيّ ؛ لَهَزَه النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَهْزَة مُعجَبٍ - كما تضرب واحدًا على كتفه أو على صدره إعجابًا – لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا المُنْذِر . يعني لا يفوتك الخير ، ولا يفوتك أن تكون من أهل العلم وأصحابه ؛ لأنه أجاب على هذا .. المهم هو أن نستشفي بالقرءان ، الاستشفاء الذي يليق به ، ونعلم تمامًا أن القرءان شفاء لما في الصدور ، وشفاء لكل أمراض الأبدان ، وفَكّر قبل أن تفكّر في الدواء والحقن والمرهم والأقراص وما شابه – لا مانع أن تفكّر في ذلك وأن تتخذه كأسبابٍ مباحة ، أُذِنَ في أَخْذِها ، وأَمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتَّدَاوِي وقال " تَدَاوَوْا عِبَادَ الله ، فَإِنَّ الله مَا خَلَقَ مِنْ دَاءٍ إِلَّا خَلَقَ لَهُ دَوَاء " ، وغير ذلك من الأدلة المتعلقة بالتداوي – لابد أن نفهم أن هذا متعلق بإنزال القرءان منزلته ، وأن نعلم أنه هو من الأمور التي نحتاج إليها ، خاصة أننا قد أصابتنا كثير من أمراض الصّدور ، وأمراض القلوب ، وأمراض الأبدان .. وخاصة أيضًا أننا لا نتعلّم أو لا نُرَبَّى على فلسفة أو على منهج أو على عقيدة التداوي بالقرءان بالصورة التي تليق به ...

أسأل اللهَ العلي الكبير أن يشفيني وإياكم بالقرءان وأن يجعل القرءان شفاء لما في صُدورنا ، وأن يجعل القرءان شفاء لأمراض قلوبنا ، وأن يجعل القرءان شفاء لأمراض أبداننا .. أسأل اللهَ العلي الكبير أن يشفي مرضى المسلمين وأن يُهَوّن الرقدة على الراقدين وأن يعجّل بالشفاء لكل مرضى المسلمين وأن يُيَسِّر بالدواء لنا ولهم يا رحمـٰن يا رحيم .. اللهم فرّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين .. اللهم يا رب ورُدّ علينا بفضلك ومَنِّك وجُودك وكرمك ، الغائبين .. يا أرحم الراحمين ولا تسوؤنا فيهم بفضلك ومَنِّك ورحمتك يا أرحم الراحمين .. حَبِّبْ إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا ، وكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين .. اللهم اثأر لنبيّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأَرِنَا في المستهزئين آيات عِزّك وانتقامك وأَرِنَا فيهم عجائب قدرتك .. تقبّل مِنَّا إنك أنت السميع العليم وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم .. ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين .. وصلِّ اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 4 – 6 – 2021 ... أحكام إجابة الدعوة
الجمعة ... 28 – 5 – 2021 ... الاسراع بالجنازة وقضاء الدين عن الميت
الجمعة ... 21 – 5 – 2021 ... هل المسجد الأقصى فى عقيدتنا؟؟
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15