أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 16 – 6 – 2021 ... الأضحية آدابها وأحكامها
الجمعة ... 2 – 7 – 2021 ... كيف نستقبل العشر من ذى الحجة؟؟
الجمعة ... 25 – 6 - 2021 ... آداب تشميت العاطس..
الجمعة ... 4 – 6 – 2021 ... أحكام إجابة الدعوة
الجمعة ... 28 – 5 – 2021 ... الاسراع بالجنازة وقضاء الدين عن الميت
الجمعة ... 21 – 5 – 2021 ... هل المسجد الأقصى فى عقيدتنا؟؟
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
معانٍ عالية في دعاء الجنازة -
معانٍ عالية في دعاء الجنازة
11 - 4 - 2021

 

معانٍ عالية في دعاء الجنازة

الجمعة : 6 – 8 – 1442 ه‍ ... الموافق : 19 – 3 – 2021 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله تعالى ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا ، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه ، وخَلِيلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. ثُمَّ أَمَّا بَعْد ..

لازال الكلام متعلّقٌ ببيان تلك الحقوق الشرعية للمسلم على المسلم ، من خلال ذلك النّبراس النَّبَوِيّ والهَدْي السُّنِّيّ من قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ )) .. ولازال الكلام مستمرٌّ في بيان آداب اتِّبَاع الجَنَائز والأحكام المتعلِّقة بها ، من باب بيان ذلك الحق الذي ينبغي أن نكون على دراية به وبيان .. وقد عرفنا حكم اتِّبَاع الجَنَائز وما وراء ذلك من أجر ، وأن الذي يتبع الجنازة حتى يُصَلَّى عليها ؛ يعود بقِيرَاطٍ من الأجر . وأن الذي يظل مع الجنازة حتى تُدفَن يعود بقِيراطَين من الأجر ، كل قِيرَاطٍ مثل أُحُد . وعرفنا أيضًا أنه ينبغي أن يُخلِص العبد ، ويكون اتِّباعه للجنازة إيمَانًا واحْتِسَابًا حتى يعود بذلك الأجر ، ولا يكون الأمر مجرد عادة .. واليوم أُكْمِلُ الكلام فيما يتعلّق بتلك الأحكام والآداب .. ونُكِرُّ بالبيان على الدعاء الذي يكون في صلاة الجنازة ، بعدما عرفنا أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات . التكبيرة الأولى ، يكون بعدها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، والفَاتِحَة .. والتكبيرة الثانية ، يكون بعدها الصلاة على النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالصيغة الإبراهيمية .. ثم التكبيرة الثالثة ، وهي الدعاء للميت . والنَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال : « إِذا صَلَّى أحدُكُم على جِنازةٍ فليُخلِصْ لها الدُّعاءَ » ، وفي رواية « إذا صلَّيْتُم على الميِّتِ فأخلِصوا له الدُّعاءَ » .. ثم التكبيرة الرابعة ، وهي الدعاء للنَّفْس ولعموم المسلمين . • وما يُقال في هذه الأدعية ؟ وردت نصوصٌ بَيَّنَت كيف كان النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقرأ أو يدعو حينما يُصَلِّي على الميت ، منها ما أخرجه مسلم وغيره عن عوف بن مالك  قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فَفَهِمْتُ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ: " اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَنَجِّهِ مِنَ النَّارِ، وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ " ، قال عوف " حتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذلكَ المَيِّتَ " من باب ما وجد من ذلك الدعاء الجميل العظيم الذي فيه من الخير للميت .. وإذا ما عَرّجتُ على بعض معاني هذا الدعاء ، ففيه أن النّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال : ( اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ) • وهذا هو أعظم ما يُدْعَى به للمَيّت ، طَلَبُ المغفرة التي فيها سِتْر الذنوب ومحوها والرحمة التي تُخْرِجُ العبدَ من العذاب وتُنجِي العبدَ من عذاب النار ، وتُنجِيه منه . فمَطْلَب المغفرة هو أمل كل عبد ، ومَطْلَب الرحمة هو أمنية كل عبد . فكُلٌّ منّا يتمنّى لو غفر الله ذنبه حتى لا يؤاخذه به يوم القيامة ، ويتمنى لو رَحِمَه اللهُ حتى يُحال بينه وبين عذاب النار .. ( اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ ) • أي أنه يَمُنُّ عليه بالعافية الأُخرَوِيّة التي تُنجِيه أو تُخْرجه من هلكة الذنوب ، وكأن الذنوب مرض ، وكأن الذنوب أمراض مهلكة ؛ فهو يطلب أن يُعَافَى من هذه الأمراض المهلكة أو من هذه الآلام المهلكة أو من هذه الأسباب المهلكة ( اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ ) ..• ( وَاعْفُ عَنْهُ ) ؛ لأننا لابد أن نؤمن وأن نُسَلِّم بأننا مهما كُنّا من أهل الطاعة ، فنحن مقصرون في حق الله " سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاك حَقّ عِبَادَتِكَ ، سُبْحَانَكَ مَا عَظَّمْنَاكَ حَق عَظَمَتِكَ ، مَا قَدَّرْنَاكَ حَقّ قَدْرِك " ..فنحن مهما أطعنا ؛ فلابد أن نعلم أننا مقصرون في حق الله ؛ وبالتالي لا يُنجينا من هذا إلَّا أن يعفو عنا ( اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ ) .. وهو أيضًا من أرجى ما يطلبه العبد المؤمن ، أن يعفو اللهُ عنه من هَلَكَةِ الذنوب ، وأن يُعافِيَهُ من هَلَكَةِ الذنوب وأن يعفو عنه بحيث يجبر بذلك العفو ، تقصيره .. ( اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ) • والنُّزُل ، هو الضِّيَافة . وكأن هذا العبد سيكون بفضل ربّ العالمين وبرحمة ربّ العالمين وبعفْوٍ من ربّ العالمين ، سيكون ضَيْفًا عند الله ، وهذه إشارة إلى تمنّي أن يكون القبر موطن " نُزُل " موطن ضيافة ، لا يكون مَوطن عذاب . ومعلومٌ أن القبر إمّا أن يكون حُفرة من حُفر النّار – أجارنا الله وإياكم من هذا ونجَّانا وسَلَّمَنَا – وإمّا أن يكون نُزُل ، أن يكون روضة من رياض الجنة ؛ فيكون مَضْيَفَة . فهُنَا يدعو النَّبيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – للمَيّت بأن يكون قبره " نُزُل " أي مَضْيَفَة ، وأن يكون هذا النُّزُل ، كريم ( وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ) .. ( وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ) ، والمُدْخَل هو أول ما يكون من باب الخروج .. أول ما يكون من باب الخروج ، يسمى مُدْخَل .. بمعنى أنت إذا كنت في الطريق العام ، ثم دخلت باب البيت ، يُسمى " دَخَلْت ) فيكون مُدخَلك هو باب بيتك . • الميت ، ما هو مُدخله ؟ قبره ؛ لأنه هو الباب الذي يخرج إليه من الدنيا ، ويدخل منه إلى الحياة البرزخية . فأنت تخرج من الدنيا ، وتدخل إلى حياة أخرى ؛ فيكون المَدْخَل الذي تَدْخُل  فيه هو القبر . فهُنَا قال ( اللَّهُمَّ أَكْرِمْ نُزُلَه ) أي اجعل قبره ، مَضْيَفَة كريمة . أكْرِمه ، كما تقول لأهلك " أكرموا الضيف " .. ( اللَّهُمَّ أَكْرِمْ نُزُلَه وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ) وهو القبر ؛ لأن القبر هو أول ما يدخل إليه العبد ، بعد خروجه من الدنيا .. ( وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ) لأنه لابد أن يكون له مُقام ، وكل مُقامٍ هو الدار الذي يدور فيه العبد . لِمَ سُمِّيَ الدار ، دار ؟ لأنك تخرج وتعود إليه ، فتدور الحياة بين خروجك ودخولك ؛ فيكون دار .. ( وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ) والأَهْلُ هُنا ، هو كل أقارب العبد ، الأم والأب والعم والخال والعمة والخالة والابن والابنة ، وهكذا . لماذا لا يكون الزوجة ؟ لأنه قال في الدعاء ( وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ) ؛ فَفُهِمَ من ذلك أن الأهل بخلاف الزوجة ، وإن كان بيُطْلَق عمومًا على الأهل وينضم إليه الزوجة ؛ لكن هنا خَص الزوجة بالذِّكْر ( وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ) وهنا ( أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ) ليس معناه أن يأتيه بعَمَّة خِلاف عَمَّته ، وخالة خِلاف خالته ، وأب خِلاف أبيه ، وأُم خِلاف أُمّه .. لا .. إنما يكون قد حَسَّنَ من شأنهم وحَسَّنَ من أَمْرِهِم وأكْرَمَهُم حتى صار خيرًا مما كان . فأنت تقول ولدي صار خيرًا من ولدي ، يعني ولدي الذي أعرفه ، أو ولدي أصلحه الله وحَسنّه فصار أحسن مما كان . • فعندما يقول ( وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ) ليس معناه أنه سيبدّلهم بآخرين ؛ إنّما سيُصلِحهم ويُكرِمهم ويُحَسِّنهم حتى يصيروا نوعًا آخر ، أهْلٌ جُدُد ، أهْلٌ خيرٌ من الأهل الذين أنا أعرفهم . قد يكون الأب قاسي ، قد يكون الأب بخيل ، قد تكون الأم غافلة ، قد يكون العم مقاطع ، .. فيُبْدله بمعني يصلحهم { وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُ } [الأنبياء:90] .. فإن الله سبحانه وتعالى يُبْدِل ، بمعنى يُبْدِل الأحوال ، كما قال تعالى { إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }[الفرقان:70] ما معنى يُبَدّل ؟ يعني يجعل مسلكه السيئ ، مسلكًا حَسَنًا ، ويجعل مسلكه الذنبي ، مسلك طاعة ؛ فيُبْدله . فكذلك هنا قال ( وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ) .. ( وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ) ، نَفْس المعنى ، كيف تكون زوجه ؟ ومعلومٌ أن المرأة الصالحة ، تكون زوجةً في الآخرة لآخر زَوْجٍ لها . يعني المرأة إذا تزوّجت ، ثم طُلِّقَت ، ثم تزوّجت ، ثم طُلِّقَت ، ثم تزوّجت بآخرين – ليس بنفس الرجل – فهي تكون لآخر زَوْجٍ لها . تكون زوجة في الجنة لآخر زوج لها .. إذًا ، إذا قال النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ( وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ) ، وقد لا يكون له إلَّا زوجة واحدة ومات عنها ، ولم تتزوّج بعده ؛ إذًا هي التي ستكون زوجته يوم القيامة . • هنا نفس المعنى ( زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ) أي أن الله يُصْلِحُها ويُحَسِّنُها ويُبْهِيها فتكون على بهاءٍ وجمالٍ وحُسْنٍ ، غير الذي كانت عليه في الدنيا ؛ وبالتالي تكون زوجةً خيرًا مما كانت . هي نفس المرأة – ليست بمرأة أخرى – ولكن حُسِّنَت ؛ فبُدِّلَت بِحُسْنِها ، وبُدِّلَت بِبَهَائها ، وبُدِّلَت بجمالها ( وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ) .. وكل ذلك دعاء بأن يُنَعِّم الله الميت ، بما يُنَعِّم به أهل النعيم ، من أول الدار ، والأهل ، والزوجة (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ) اللهم وحَسِّنه هو نفسه ، التي هي ماذا ؟ ( وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ) • وهُنَا لطيفةٌ جميلة جدًا جدًا جدًا ، هنا ذَكَرَ في التنظيف من الذنوب ، الذنوب كالأدران ، الذنوب تكون في الدنيا مسالك ، ولكن يكون مكتوبها معنوي ، لا حِسِّي . يعني يُكتَب في الصحيفة أنه سَرَقَ أنه قَتَلَ أنه زَنَى أنه كَذَبَ أو اغْتَابَ أنه نَمَّ أنه غَشَّ أنه تَعَدّى ، إلى غير ذلك ؛ فتُكْتَب الذنوب معنويًّا ، كتابةً لا جِسْم لها ولا مكون مادي لها ؛ ثم يوم القيامة تتحول إلى عَرَضٍ مادِيّ ، تُوضَع في الميزان ، فتُوزَن بثِقَلِها بحسب حجمها ؛ بالرغم من أنها كانت قبل أن تُوزَن ، مكتوبة في الصحيفة كتابةً – على حسب ما يكون في الغيب – فتُكْتَب له الحسنات وتكتب عليه السيئات ، ثم يأتي عند الميزان وعند الحساب تتحول تلك الكتابة المعنوية إلى عَرَضٍ ماديّ له وزن ، فيصير وزن الزِّنَى بالسالب ، ويصير وزن الصلاة بالموجب ، وتُوضَع السيئات في كِفَّة ، وتُوضَع الحسنات في كِفَّة ، ثم توزَن عليه أعماله . هذه الذنوب ، معلومٌ أنها تكون في حق العبد ، من حيث أثرها عليه هو نفسه ، تكون كالأدران والأوساخ ، وفي نفس الوقت  تكون الذنوب ، عقوبتها حرارية أم باردة ؟ حرارية ؛ لأنها نار . فتكون عقوبة الذنوب حرارية ، نارية . كما يكون جزاء الحسنات ، ما له ؟ نعيمًا وبردًا وسلامًا .. تنبّه .. انظر إلى اللطيفة الجميلة .. يقول النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يدعو للميّت ، ويدعو الله : ( وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ) أي اغسله من خطاياه ؛ لأن الخطايا ستتحول إلى أدران وأوساخ وعقوبات نارية يُعَذَّب بها العبد ، ويتمنّى العبد أن يُتَنَظَّف منها ، أن يَتَنَظّف من أثرها وأن يتنظّف من أوساخها وأدرانها . فيطلب النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من ربّ العالمين ، أن هذا الميّت الذي يُصَلَّى عليه ويُدْعَى له ؛ أن يغسله ربّه بالماء – مفهومة – لأن الماء هو مادة الغَسْل . أنت في الدنيا تغسل بماذا ؟ بالماء .. فمعلومٌ أن الماء هو مادة الغَسْل ومادة التنظيف " اغسله من خطاياه بالماء " .. طيب والثلج والبَرَد ؟؟ الثلج والبَرَد ؛ لأن العقوبات الذنوبية ، عقوبة الذنوب نارية ، فكان من اللطيف أن يُجْعَل مع الماء الذي ينظف ، يُجْعَل معه شيئًا يُبَرِّد ؛ لأن الذنوب محرقة ؛ ولأن الذنوب عقوبتها نارية ؛ فبالتالي هذه الحرارة وهذه النارية تحتاج إلى تنظيف من جهة ، وتحتاج إلى تَبْرِيد من جهةٍ أخرى . فهُنا قال ( واغْسِلْهُ بِالْمَاءِ ) مادة التنظيف ، ( وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ) مادة التبريد .. فهذه لطيفة عجيبة ( وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ) .. ( وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ) لماذا لم يقل الثوب الأخضر أو الثوب الأحمر أو أي لون ؟ لأن جميع الثياب غير البيضاء قد لا يظهر فيها أثر الدَّرَن ، أو قد لا يظهر فيها أثر الدَّنَس ، خاصّة إن كان لطيفًا . أمّا الثوب الأبيض يظهر فيه أقل الدَّنَس . أقل شَوب من الدَّنَسِ وأقل شَوب من الوَسَخ يظهر في الثوب الأبيض . فلذلك ذُكِرَ الثوب الأبيض حتى إذا ما نُظِّفَ ؛ نُظِّفَ تنظيفًا لا يظهر فيه شَوب ، ولا يظهر فيه أثر ( وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا ) نقاءً تامًّا ؛ لأن النَّبِي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إذا طَلَبَ للمَيّت ؛ طَلَبَ له تمام الأمر ، تمام العفو والعافية ، تمام المغفرة ، تمام الرحمة ، تمام التطهير من الذنب ، وهكذا . فهُنا قال ( وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ) فلماذا ذَكَرَ الثوب الأبيض ؟ لأنه تظهر فيه أقل الشائبة ، ولو كان ملونًا لكان من الممكن أن تبقى فيه بعض الشوائب ولا تظهر لعدم بياضه .. فهذا هو سِرّ ذِكْر الثوب الأبيض .. ( وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ) .. ( وَبَاعِدْ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَطَايَاه كَمَا باعَدت بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِب ) بحيث لا يلتقيان .. المَغْرِب والمَشرق ما لهما ؟ لا يلتقيان .. فكأنه يقول له ، أنت قادرٌ على العفو ، وقادرٌ على إبعاد ذنبه عنه ، من باب تمام نعمتك ومِنَّتك ، كما تُباعِد بين المشرق والمغرب .. ( وَنَجِّهِ مِنَ النَّارِ، وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ ) إشارة إلى عذاب القبر .. وهنا لطيفة جميلة ؛ أن هذا الحديث ، من الأحاديث الدّالّة على ثبوت عذاب القبر ؛ ردًّا على مَن يُنكِر عذابَ القبر .. حتى لا يُخَلِّط عليكم أحد في عقيدتكم .. عذاب القبر حقيقةٌ عقديةٌ شرعية .. مَرَّ النَّبيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على قَبْرٍ ، فقال : « إنَّهما ليُعذَّبانِ وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ ثمَّ قال: بلى أمَّا أحدُهما فكان يسعى بالنَّميمةِ وأمَّا الآخَرُ فكان لا يستنزِهُ مِن بولِه . ثمَّ أخَذ عودًا فكسَره باثنينِ ثمَّ غرَز كلَّ واحدٍ منهما على قبرٍ ثمَّ قال: لعلَّه يُخفَّفُ عنهما العذابُ ما لم ييبَسا » .. وهنا في الحديث ، يقول ( وَنَجِّهِ مِنَ النَّارِ، وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ ) .. وهو تمام المطلب .. أي بعد أن تُطَهِّره من ذنبه ، وبعد أن تُعافيه وتعفو عنه ، وبعد أن تُبدِله من كل شيءٍ خيرًا وترزقه بالخير في أهله وزوجه وما شابه ؛ نَجِّه وقِهِ عذابَ القبر ، الذي هو أول منازل الآخرة ، وعذاب النار الذي هو المآل والمصير؛ بحيث يكون مصيره بعيدًا عن عذاب النّار .. وهذا أمْرٌ يتمنّاه كلُّ مسلم .. هذا الدعاء ، مِنْ أَجْمَعِ ما جاء فيما يتعلّق بالدعاء للمَيّت .. وأنت رأيتَ في بعض المعاني – وإن كنتُ قد مررتُ عليه مرور الكرام بغير تفصيل واسع ، إلّا أن ما ذكرت فيه الكفاية ، بإذن رب العالمين – حتى تعلم أنك عندما تدعو بهذا الدعاء ؛ تَذَكَّر ثلاثة أمور.. * الأمر الأول : هو أنك تريد أن ترجع من تلك الصلاة بقِيرَاط على الأقل ؛ وبالتالي لا يفوتنَّ مسلمٌ الصلاة على جنازة مسلم ، قد عَلِمَ بها ؛ حتى يعود بذلك الأجر الذي هو قِيرَاط من الأجر ، هذا القِيرَاط مثل جبل أُحُد .. * الثانية : هو أن يكون هذا الأمر إِيمَانًا واحْتِسَابًا ؛ لأنه عبادة .. لأنه من جهةٍ ، باب أجر . ومن جهة ، تَعَبُّد لله رب العالمين .. * الثالثة : أن تنوي أن تنفع أخاك المسلم ، عسى أن يرزقك الله مَن يكون سبب نفعِك .. يعني أنت لمّا تستحضر الدعاء الذي ذكرتُه لك وبَيّنتُ لك بعض معانيه ، وتتذكّر مدى إحتياجك أنت نفسك وأنت سترقد على خشبة وسرير الميت – ما مِنّا إلّا وسيرقد على سرير المَيت ، على خشبة الميت – فبالتالي أنت عرفت ، عوف بن مالك لمّا سمع ما دعا به النَّبِيُّ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لهذا الميّت الذي صَلَّى مع النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عليه ؛ تَمَنَّى لو كان هو ذلك الميت ؛ حتى يُصيبه ذلك الخير الوفير الذي في دعاء النَّبِيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لذلك الميت .. أنت نفس المعنى .. استحضِر أنك تُخلِص ؛ عسى أن يرزقك الله مَن يُخلِص .. أنّك تُحسِن عسى أن يرزقك الله مَن يُحسِن الدعاء لك .. كما تَدين ؛ تُدان .. والجزاء من جنس العمل .. فتنبّه وتدبّر .. قَدِّم لِنفسك { وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا } [المزمل:20]  .. تنبّه لذلك .. أسأل اللهَ عز وجل أن يرزقني وإياكم حُسْنَ الخاتمة وأن يختم لنا ولكم بالباقيات الصالحات

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56] .. فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النَّبِيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ ..

واعْلَم عبد الله ، أنه لو لم يكن في صلاة الجنازة إلَّا هذا الدعاء للميت ؛ فَبِهِ وكفى ، وبِهِ ونعمة . وهو من أحوج ما يكون الميت عند افتقاره لربه وعند انقطاع كل ما يملكه من أسباب الدنيا وعند انقطاع عمله هو نفسه نفسه – إلّا ما بقي من العمل الصالح ، من العلم النافع والولد الصالح والصدقة الجارية – لو لم يكن من الخير في صلاة الجنازة إلَّا هذا الدعاء ؛ لكفى به ، خاصّةً إذا اجتمع على العبد المسلم في جنازته ؛ أربعون رجلًا يشهدون أن لا إله إلا الله ، لا يشركون بالله شيئًا ، كما جاء في الحديث .. وبالتالي ، إذا كَثُرَ على العبد ، من الصالحين ومن أهل الخير والبِرّ ومن المحسنين ومن أهل العبادة والطاعة ، إذا كَثُرَ عليه أمثالهم واجتمع في جنازته ، منهم الكَمّ الغفير ، ثم أصابه من كل واحدٍ كشفيع بينه وبين ربه ، مَن يدعو له بهذا الدعاء بإخلاصٍ وإيمان واحتساب ؛ لكفى بذلك نَفْع .. ونحن ممن يفرّط في هذا الأمر ، وممن يترك نفْع أخيه بما يحتاج إليه في ساعةٍ ه من أشدّ ساعات الافتقار إلى الله .. فأنصح نفسي وإياكم ، أن تستجمعوا كل ما أوتيتم من إخلاصٍ وإيمانٍ لوجه رب العالمين ؛ وأن تُبادروا عندما ترون جنازة مسلم وتُشَمِّروا الساعد وتنووا وتعزموا أن تكونوا سببًا لنفعه ؛ عسى أن يرزقكم الله مَن يكون سببًا لنفعكم ..

• ثُمَّ بعد الدعاء للميت ؛ الدعاء للمسلمين وللنّفْس . ومما ورد في النصوص فيما يُدعَى به ، مما هو من السُّنَّة في ذلك ، قول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَوَّلِنَا وآخِرِنَا ، وحَيِّنَا ومَيِّتِنَا ، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا ، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا ، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإِسْلَام ، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَان " .. انظر إلى هذا الدعاء ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَوَّلِنَا وآخِرِنَا ) : يعني يدعو لجميع المسلمين أوَّلِهم وآخِرِهِم . ( وحَيِّنَا ومَيِّتِنَا ) : سواء الحَي في زمنه ، أو ما بعده ؛ لأن كل مَن هو من المسلمين ، من أحياء المسلمين ، سواء في ساعة الدعاء أو في ساعة المَيّت أو ما بعدها ؛ فيشمله اللفظ ( وحَيِّنَا ) .. ( وَمَيِّتِنَا ) : فهو المَيِّت الحالي الذي بين يدينا ، أي في صلاة الجنازة ، وكل ميِّتٍ قديم .. • والتفصيل في الدعاء ، هذه من اللطائف العلمية . أنه لو قال " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا " ؛ لأغنى عن كل الباقي . لأغنى عن " وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا ، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا ، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا " .. كل هؤلاء يدخلون في قوله " حَيِّنَا ومَيِّتِنَا " . فكان لو اكتفى بقوله " وحَيِّنَا ومَيِّتِنَا " لكفى عن ذلك كله ؛ ولكن اللطيفة هنا : هو أن مقام الدعاء بين يدي الله ، أو مقام الدعاء لله تَعَبُّدًا ؛ يُحَبُّ فيه الإكثار والتفصيل والتكرار .. فلذلك قال " وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا ، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا ، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا " بعدما قال " وحَيِّنَا ومَيِّتِنَا " ؛ من باب التكرار ، ومن باب التفصيل ، ومن باب الاستكثار .. وهذه مسألة مهمة .. بمعنى ، إذا أنت قلت : اللهم اغفر لي ، اللهم اعفو عنا ، اللهم عافنا واعف عنا ، اللهم عافنا واعف عنا ، اللهم عافنا واعف عنا ، اللهم عافنا واعف عنا .. وظللت تكرر ؛ هذا عظيم .. لأن مقام الدعاء ؛ تذلل " شحاتة " .. ألا ترى إلى السائل " الشحاذ " عندما يأتيك " لله يا بيه .. لله يا بيه .. لله يا بيه .. لله يا بيه " يقولها حوالي مائة مرة ، حتى تطنطن في أذنك وتُمَلّلك فتدفع له – ولله المثل الأعلى ، فالله لا يَمَل حتى يَمَل العبد " إن الله لا يَمَل حتى تَمَلُّوا " – وبالتالي أنت مطالب بأن تستغفر وتستكثر .. فهُنا قال " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا " هي الجامعة ؛ لأن الحي ، ما يكون وقتها وما بعدها " يعني السنة القادمة والسنة التي بعدها " كل الأحياء من المسلمين . والموتى ، كل موتى المسلمين ، الحاليين والأقدمين .. • واللطيفة الأخرى ، لماذا قال " وصَغِيرِنَا " مع أن الصغير ليس له ذنب يُطْلَب له المغفرة ؟؟ لأن الصغير مِنْ أعمال الكبير .. الولد من أعمال أبيه ، فإذا كان في الولد سوءة ؛ فيُطلَب لمغفرتها للأب وللأم ، وليس يُطْلَب لذاته ؛ لأنه ليس على الصغير ذنب ؛ لأنه غير مُكَلَّف .. أو من باب المقابلة ، كعهد النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في الدعاء ، المقابلة .. يعني إذا ذُكِرَ الكبير ، فيُذكَر في مقابله الصغير " وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا " .. ( وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا ) وهو أيضًا من باب التفصيل ؛ لأن الذَّكر والأنثى داخل في الحي والميت .. ( وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا ) سواء غائب للسفر ، أو غائب بالأَسْر ، أو غائب في عمل ، إلى غير ذلك ؛ فهو أيضًا يخصهم بالدعاء .. وهذا من باب الاستكثار من الدعاء لكل مَنْ هو منتسبٌ إلى الإسلام والمسلمين ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَوَّلِنَا وآخِرِنَا ، وحَيِّنَا ومَيِّتِنَا ، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا ، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا ، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا ) .. ( اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإِسْلَام ) لماذا لم يقل " على الإيمان " ؟؟ لأن الإسلام هو موطن الاستسلام في مقام الحياة .. يعني أنت في مقام الحياة ، تُكْتَب عند الله بالإيمان ، بما في قلبك . أمّا بين الناس ، الناس ترى منك الإسلام أم ترى منك الإيمان ؟ ترى منك الإسلام . فلذلك قال ( اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا – في الحياة ، في الدنيا - فَأَحْيِه عَلَى الإِسْلَام ) لأن هذا هو الذي يراه الآخرون منِّي ، وهذا هو الذي يقع مِنِّي ، وهو الاستسلام الذي يكون استسلامًا لله ، وسِلْمًا لعباد الله .. الإسلام : استسلامًا لله وسِلْمًا لعباد الله .. ( ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَان ) لأن مدار الأمر عند الموت على ما في القلب ، أم على ما في اللسان ؟ على ما في القلب .. أنت تموت على ما في قلبك ، إمّا على الإيمان وإمّا على النفاق . وإمّا على الخير وإمّا على الشّرّ ، بحسب ما يكون في قلبك . حتى أن الرجل يكون من النصارى ، ويموت – عند الله – من المؤمنين . لأنه يُسِرُّ بإيمانه ، خشية قومه { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَـٰنِ } [النحل:106] .. فعندما يموت النصراني الذي يكتم إيمانه ، يموت على الإيمان أم على الإسلام ؟ يموت على الإيمان . لأن الإسلام ليس ظاهرًا منه . لو سألك أحد ؛ تقول هذا الرجل نصراني ، وأنا أعلم عنه أنه نصراني .. إذًا لا إسلام له ؛ ولكن يكون عند الله من المؤمنين ؛ لأنه يكتم إيمانه . فلا يُقال يكتم إسلامه ؛ إنما يُقال يكتم إيمانه . لأن مدار الأمر في الموت على ما في القلب . ومدار الأمر في الحياة ، على الإسلام ، على ما يظهر من العبد . فقد يكون العبد عند الناس مسلم ، وعند الله كافر ، كالمنافق ، الذي يعلم الله نفاقه ؛ فعندما يموت ، يموت على ما في قلبه أم يموت على ظاهره ؟ يموت على ما في قلبه ، وهو النفاق . وهذا هو سِرّ الدعاء ( اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإِسْلَام ، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَان ) ..

• ( اللَّهُمَّ لَا تَفْتِنَّا بَعْدَه وَلَا تَحْرِمْنَا أَجْرَه وَاغْفِرْ لَنَا ولَه ) هذا من آخر الأدعية التي تكون أيضًا للمَيت ، وتكون للنَّفْس .. ( اللَّهُمَّ لَا تَفْتِنَّا بَعْدَه ) • فيها لطيفة جميلة جدًا ؛ وهي أن تعلم أن الحَيّ لا يُؤمَنُ عليه الفتنة .. اللهم ثبتنا على ما يُرضيك عنا .. الحَي لا تُؤمَن عليه الفتنة .. ما دمتَ حيًّا ؛ إذًا وارد أن تُبَدِّل ، أن تُغيِّر ، أن تُفْتَن ؛ إلَّا أن يُثَبِّتك الله .. لكن مَن مات على أَمْرٍ أو انتهى أمره ، إن كان مات على الإيمان فهو على الإيمان ، وإن كان مات على غير الإيمان فهو على غير الإيمان .. لا تبديل ولا تغيير .. ولذلك كان يقول ابن مسعود – رضي الله عنه – " مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا ، فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَات ، فَإِنَّ الحَيّ لَا تُؤمَن عَلَيْه الفِتْنَة " .. بمعنى " لو أنا عايز أمشي ورا واحد في الدين ، يبقى أمشي ورا واحد مات ، ترك علمه ، ولّا أمشي ورا واحد حي ؟؟ " .. لا .. " تمشي ورا واحد ميِّت ، كما نمشي نحن وراء الصحابة والتابعين " لماذا ؟ لأنهم لن يُبَدِّلوا ولن يُغيِّروا . أمّا الحَيّ ، ممكن اليوم يقول كلام ، ونحن نرى كثير من الناس يبدّلون ويُغيّرون ، إمّا إرضاءً لأهوائهم ، وإما اتِّباعًا لشهواتهم ، وإمّا إرضاءً لطواغيتهم وكُبرائهم وسادتهم ، وطاعة لهم فيُبَدِّلُون . وتسمع فتاوى ، ما أنزل الله بها من سلطان .. تنبّه .. يقول لك " عيد الأم .. دا حاجة جميلة . الأم دي حلوة حبيبتي مافيش أحلى منها .. وعيد الحب ، يقول لك كلها حب ، خليها أحمر في أحمر بدل ما تبقى أسود في أسود " .. كل هذا باطل لأنه كما قال النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لمّا وجد بعض الناس في المدينة ، يلهون في بعض الأيام ويفرحون في بعض الأيام ، غير الفِطر والأضحى سأل عن ذلك ، فقالوا هذه أيام كنا نلهو فيها أو نتخذها عيدًا في الجاهلية ؛ قال " إِنَّ الله أبْدَلَكُم – يعني كل هذا كُنِس ، وكل الأعياد كُنِسَت وكل الأعياد مُسِحَت – بالفِطر والأَضحى " .. " يبقى مافيش حاجة اسمها عيد أم .. مافيش حاجة اسمها عيد حب " إنما في حاجة اسمها عيد الفطر ، وحاجة اسمها عيد الأضحى .. ولا في " عيد الوطن " ولا في " عيد القومية " ، ولا في عيد كذا .. كل هذه أشياء ، ما أنزل الله بها من سلطان .. ممكن تُسمّيها " يوم " .. تقول " والله ، الناس عملت يوم أم " .. لكن هذا إذا احتُفِل به وخُصِّص بمراسم واجتمع فيه الناس وعادوا فيه العوائد ؛ فقد اتُّخِذَ عيدًا ؛ وليس هناك عيد إلّا الفطر والأضحى « قد أبدلَكُمُ اللَّهُ بِهم خيرًا منْهُم: يومَ الأضحى ويومَ الفِطرِ » .. فلا تحتفلوا إلّا بما شَرَّعَه الله ؛ حتى لا تأثم .. " تقول آثم إيه يا عم ، دي أمي حبيبتي ست الحبايب يا حبيبة !! " .. لا .. تأثم بأنك جعلت عيدًا بغير شرع  ، ولستَ تأثم بحبك لأمّك . وتأثم بأنك جعلت الحب وما شابه ، عيد .. فتنبّه لذلك .. خاصة ، المصيبة تعظم ، إذا كانت هذه الأعياد ، أساسًا كفرية .. يعني عيد الحب هذا ، اسمه فلانتين عيد أو " Valentine's Day " وفالنتين هذا ، اسم لواحد من الرهاب كان يأخذ كل امرأة جميلة في بلده ويفجر فيها ، فلما علموا عنه قومه أنه كذلك ؛ قتلوه . فاتخذ الناس الذين كانوا يحبون منه ذلك أو يُفعَل معهم الفجور منه ، اتخذوا يوم مقتله ، عيدًا .. هذا هو أصل هذا العيد .. ونحن بطبيعتنا ، مقلدين .. وبطبيعتنا بنمشي ، سير القطيع .. • ولكن نحن لنا دين يحكمنا .. في النَّفَس .. ديننا يحكمنا .. اليهودي قابل عمر بن الخطاب وقال له : " : يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لو عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذلكَ اليومَ عِيدًا. قالَ: أيُّ آيَةٍ؟ قالَ: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَـٰمَ دِينًا } [المائدة: 3] " .. ( ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَـٰمَ دِينًا ) .. مَنِ الذي رَضِيَ الإسلام لنا ؟ .. الحكومة !! أم الأمم المتحدة !! .. • الذي رضي لنا الإسلام دينًا ، هو ربّ العالمين .. الذي رضاه هو الرضا ، وغضبه هو الغضب ، وسخطه هو السّخَط .. قال عُمَرُ: قدْ عَرَفْنَا ذلكَ اليَومَ، والمَكانَ الذي نَزَلَتْ فيه علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو قَائِمٌ بعَرَفَةَ يَومَ جُمُعَةٍ " .. وعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه ، قَالَ: " قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ، فَقَالَ: أَجَلْ. لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أوَ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِاليَمِينَ، أَوْ أَنْ نسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ " .. " حَتَّى الْخِرَاءَةَ " – أعزكم الله – يعني كيف نقضي حاجتنا ، كيف ندخل دورة المياه .. الإسلام ما ترك النَّفَس ، النَّفَس الذي نتنفّسه ، إلّا وشَرَعَ لنا وبَيَّنَ لنا كيف يكون ذلك ، وكيف لا يكون ذلك .. • فلا نترك باب عِزِّنَا ومصدر كرامتنا وتاج رؤوسنا وسبب رفعتنا وسبب عِزّنا وذهاب ذُلِّنا ، وهو القرءان والشَّرْع .. لا نتركه إلى عوائد الغرب وعوائد الباطل .. ( اللَّهُمَّ لَا تَفْتِنَّا بَعْدَه وَلَا تَحْرِمْنَا أَجْرَه وَاغْفِرْ لَنَا ولَه ) هذا الدعاء الذي يُقال للمَيّت أو يُختَم به صلاة الجنازة ... ونسأل اللهَ العلي الكبير أن يُحْسِن خاتمتنا وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثَبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا .. أَعِنّا ولا تُعِن علينا .. رُدّ بطش الكافرين عنّا وقِنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه .. اللهم حَبِّب إلينا حُبَّك وحُبّ من يحبك وحُبّ كل عملٍ يقربنا إلى حُبِّك .. اللهم برئنا من الجاهلية وأهلها ، وبرئنا من الكفر وأهله ، وبرئنا من الشرك وأهله ، وبرئنا من النفاق وأهله ، وبرئنا من الخنا والفجور وأهله ، واجعلنا من الراشدين .. فَرِّج كَرْب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم .. واختم لنا بالصالحات الباقيات يا أكرم الأكرمين ... وصلِّ اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د/ سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 16 – 6 – 2021 ... الأضحية آدابها وأحكامها
الجمعة ... 2 – 7 – 2021 ... كيف نستقبل العشر من ذى الحجة؟؟
الجمعة ... 25 – 6 - 2021 ... آداب تشميت العاطس..
الجمعة ... 4 – 6 – 2021 ... أحكام إجابة الدعوة
الجمعة ... 28 – 5 – 2021 ... الاسراع بالجنازة وقضاء الدين عن الميت
الجمعة ... 21 – 5 – 2021 ... هل المسجد الأقصى فى عقيدتنا؟؟
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 16